قال النائب الأول لرئيس الوزراء وزير الداخلية الشيخ فهد اليوسف في لقاء مع جريدة «الجريدة» يوم الأحد 19 الجاري إن «دستورنا يحظر الأحزاب، فكيف يُقبل الانتماء إلى تنظيمات خارجية بأجندات تهدد الأمن والاستقرار؟»، ولا شك أن الانتماء إلى تنظيمات خارجية، مهما كانت أجندتها، خصوصاً إذا كانت تهدد الأمن والاستقرار، جريمة حسب الشرع والقانون، وقد تصل إلى الخيانة العظمى.

ولكن القول إن دستورنا يحظر الأحزاب، وجميع أشكال التنظيمات السياسية بصفة عامة، يحتاج إلى شيء من الشرح والتدقيق.

فقد تطرق المجلس التأسيسي إلى هذا الموضوع في أثناء مناقشة نظام الحكم الذي سيقام عليه الدستور، وكان بعض أبرز أعضاء المجلس التأسيسي يرون الأخذ بالنظام البرلماني، وبيَّن الخبير الدستوري الدكتور عثمان خليل عيوب النظام الرئاسي، حيث يكون رئيس الدولة منتخباً، وهذا لا يتفق مع الحكم الوراثي في الكويت، كما بيّن أن النظام البرلماني يقوم على الأحزاب حيث يقوم الحزب الفائز بأغلبية مقاعد البرلمان بتشكيل الحكومة، مما يؤدي إلى صراع بين الأحزاب للوصول إلى الحكم.

Ad

لذلك اختار المجلس التأسيسي نظاماً وسطاً بين النظامين، وأكد فيه أن الأمير هو الذي يعين رئيس الوزراء (الحكومة) «على النحو الذي يرتئيه» دون الحاجة إلى قرار بالثقة أو الموافقة من البرلمان أو تجمعاته.

ولكن رغم هذا الوضوح أصر بعض أعضاء المجلسين الأخيرين على التدخل في هذه الإرادة بتصريحات تندد وتهدد إذا تم تعيين وزراء معينين، كما طالب بعضهم بتبني النظام البرلماني، فقمت بالرد وشرحت هذا المبدأ الدستوري الصحيح في مقالات عديدة، (ثلاث مقالات في مارس وأبريل 2024 ومقال بتاريخ 5/5/2024، والأخير كان بعد اعتراض النواب على توزير الشيخ فهد اليوسف)، ولكن للأسف أصر بعض الأعضاء على رأيهم، مما أدى إلى أزمات سياسية متكررة.

إذاً فقد رفض الدستور النظام البرلماني الذي تقوم فيه الأحزاب بتشكيل الحكومة، وعليه يمكننا القول إن الدستور رفض إنشاء الأحزاب التي تنشأ وفق هذا النظام البرلماني، وهو الوصول إلى الأغلبية، ثم إلى تشكيل الحكومة، ولكن هل رفض الدستور إنشاء الأحزاب التي تقوم بالعمل وفق النظام الدستوري الحالي؟

الصحيح أنه ليس في الدستور ما يمنع إنشاء التجمعات أو الجماعات أو التوجهات أو المدارس السياسية أياً كانت مسمياتها إذا كانت مدروسة شرعاً، وتعمل وفق النظام الدستوري الحالي، أي من خلال تقديم الاقتراحات والرؤى في الأمور المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية إلى الحكومة ومجلس الأمة، والمساهمة في ترشيح من ترى من أعضائها ومن غيرهم إلى عضوية مجلس الأمة، ويرى كثير من المراقبين والسياسيين أن هذا العمل الجماعي أفضل من الوضع الحالي، حيث تواجه الحكومة خمسين عضواً، كل منهم يعتبر حزباً، ويحمل أجندات وأفكاراً فردية، وقد تكون شعبوية غير مدروسة تؤدي إلى توريط المجلس والحكومة.

وبذلك تكون هذه التجمعات السياسية أشبه بجمعيات النفع العام التي تعمل وفق تخصصها القانوني أو الخيري أو الاقتصادي، ولكنها -أي جمعيات النفع- ممنوعة حسب القانون من ممارسة السياسة.

ومن الأدلة على هذا الرأي ما جاء في المادة 56 من الدستور التي نصت على أنه «يعين الأمير رئيس مجلس الوزراء بعد المشاورات التقليدية، ويعفيه من منصبه، كما يعين الوزراء ويعفيهم». وقد بينت المذكرة التفسيرية المقصود بالمشاورات التقليدية، فقالت «هي المشاورات التي يستطلع بموجبها رئيس الدولة وجهة نظر الشخصيات السياسية صاحبة الرأي في البلاد وفي مقدمتها رئيس مجلس الأمة ورؤساء الجماعات السياسية ورؤساء الوزراء السابقون»، إذاً فالدستور يقرر مشاورة رؤساء الجماعات السياسية، أي أنه لم يحظرها، ولا يخفى على أحد أن الجماعات السياسية ورؤساءها هي من أشكال التنظيم السياسي الذي يأخذ مسميات وأشكالاً عديدة في مختلف البلاد، لذلك لا يمكن القول إن الدستور منعها مطلقاً، بل بالعكس فقد قرر مشاورتها، ولكنه ترك مسمياتها وأشكالها وتنظيمها للمشرع العادي أي للقانون.