نظم الاتحاد الكويتي للإنتاج الفني والمسرحي وصناع المحتوى والترفيه، بالتعاون مع رابطة الأدباء الكويتيين، تأبين «سيدة الشاشة الخليجية» الفنانة الراحلة حياة الفهد، على مسرح د. سعاد الصباح، في مقر رابطة الأدباء بالعديلية.
وشهد التأبين حضوراً كبيراً من السفراء والفنانين والإعلاميين، فضلاً عن نجلتها سوزان، وأيضاً جمع كبير من محبي الفن الكويتي، الذين استعادوا محطات مضيئة من مسيرة الراحلة، واستذكروا إسهاماتها العميقة في إثراء المشهدين الثقافي والفني بالخليج العربي.
وقدمت التأبين وأدارته الإعلامية غادة يوسف بأسلوب مؤثر، عكس المكانة الرفيعة التي احتلتها الراحلة في وجدان جمهورها وزملائها، فيما خيّم على التأبين طابع الوفاء والتقدير لمسيرة فنية استثنائية ستبقى حاضرة في الذاكرة.
وقبل انطلاق مراسم التأبين، وقف الحضور دقيقة حداد، في مشهد امتزجت به مشاعر الحزن بالوفاء، وأعقب ذلك عرض فيلم وثائقي استعرض محطات بارزة من مسيرتها الفنية الحافلة، مسلطاً الضوء على أبرز أعمالها وإنجازاتها التي تركت أثراً عميقاً في الساحة الفنية الخليجية والعربية.
رائدة من رواد الفن
في بداية كلمته، قال رئيس الاتحاد الكويتي للإنتاج الفني والمسرحي وصُنَّاع المحتوى والترفيه، الإعلامي والمحامي خالد الراشد: «تعتبر حياة الفهد رائدة من رواد الفن ولها بصمة خالدة في عالم الإذاعة، والدراما، والمسرح والسينما والأدب».
وأضاف الراشد: «نقف اليوم في رحاب مسرح الشيخة د. سعاد الصباح بمقر رابطة الأدباء الكويتيين، هذا الصرح الذي اخترناه بعناية ليكون مسرحاً لتأبين فقيدتنا الغالية، إدراكاً منا بأن المقام اليوم يتجاوز حدود التمثيل، إلى رحاب الأدب والفكر والثقافة التي كانت الراحلة أحد أعمدتها الراسخة».
وتابع: «لقد كانت الفقيدة الغالية هي الملاذ، وهي المعلمة، وهي الحضن الدافئ الذي احتوى أجيالاً من الفنانين بقلب الأم وحكمة الرائدة. لم تكن مجرد ممثلة بل كانت مبدعة شاملة، فهي الشاعرة التي لمست الوجدان، والمؤلفة القديرة التي أثرت المكتبة الدرامية الكويتية والخليجية بنصوص سيخلدها التاريخ. لقد تجاوز تأثيرها حدود الكويت لتصبح أيقونة خليجية وعربية، ومدرسة في الأخلاق والقيم قبل الفن. إن وجودنا هو تحية للمثقفة والمؤلفة التي أثرت الحركة الفنية، والثقافية والأدبية، بقدر ما أثرت شاشات السينما والتلفزيون وأثير الإذاعة وخشبات المسرح».
وختم الراشد كلمته: «رحلت سيدة الشاشة الخليجية حياة الفهد بجسدها، لكن أثرها باقٍ ما بقي الفن والكلمة الصادقة. غابت وتركت في قلوبنا غصة وفي تاريخنا فراغاً لا يملؤه غير الوفاء لذكراها العطرة».
منارة النور
من جانبه، ألقى الفنان محمد المنصور كلمته ومن مقتطفاتها: «الحديث عن الفنانة الراحلة الكبيرة حياة الفهد بالنسبة لي هو حديث عن الوجدان والزمالة والأخوة والصداقة، وقبل كل هذا رفقة الدرب، لذا أقول وداعاً يا منارة النور في دروبنا، بقلب يعتصره الألم ونفس مؤمنة بقضاء الله وقدره، أقف اليوم لأتحدث عن إنسانة لم تكن مجرد زميلة مهنة بل كانت الأخت الكريمة والصديقة العزيزة، ورفيقة الدرب التي تقاسمنا معها الإبداع منذ خطواتنا الأولى».
ووصف المنصور علاقته بالراحلة الغالية الفهد قائلاً: «لم تكن وليدة الصدفة بل هي ضاربة بالجذور، بدأت منذ أن كانوا في مسرح الخليج العربي، حيث تشاربنا معاً الفن الملتزم تحت إشراف الراحلين صقر الرشود، ومنصور المنصور، كانت حياة منذ تلك الأيام شعلة من الإصرار، آمنت بأن الفن رسالة وطنية قبل أن يكون أضواء وشهرة».
وأكد أن الفهد لعبت دوراً تاريخياً ومفصلياً في ترسيخ حضور المرأة الكويتية والخليجية على الشاشة، مبيناً أن هذا الحضور لم يكن مجرد تجسيد عابر بل كان قراءة عميقة وتحليلاً ذكياً لتحولات المجتمع.
الفنانة الشاملة
أما الفنانة القديرة سعاد عبدالله فقد وجهت كلمة مؤثرة إلى الحضور، عبّرت فيها عن عمق حزنها، وبدأتها «بموقف وايد صعب»، لتقول بعدها بصوت تغلّفه مشاعر الحنين والألم: «حين أخرج لأتحدث عن إنسانة شاركتني أغلب سنوات عمري، منذ البدايات في عام 1963، وأنا اليوم أبلغ الخامسة والسبعين وعلى مشارف السادسة والسبعين، ماذا أقول؟ ذكريات، وآلام، وأحزان، ومشاركة ظروف، مرينا بقسوة ومرينا بألم، كثير من الأشياء عشناها معاً وتقاسمناها في الحلوة والمرة».
وأكدت الفنانة عبدالله أن «الفهد صنعت هوية للفن في منطقتنا بالستينيات وأثناء ظهور كل شيء بالكويت في توهج بتلك الفترة، كان الفن في عز توهجه وغزا المنطقة كلها، فن التلفزيون والإذاعة والمسرح، والصحافة التي ساندت هذه الفنون»، مبينة أن «حياة كانت من الأعمدة الأساسية، فهي كانت قدوة يحتذى بها ولم تكن مجرد فنانة، أنا بالنسبة لي وهي الزميلة شكلت قدوة بالنسبة لي في أشياء كثيرة، فكانت تحب عملها وتسهر عليه، متفانية في أدائه، لذلك صنعت هوية للفن».
ووصفت الراحلة بـ«الفنانة الشاملة»، فهي تجيد الغناء وكتابة الشعر والنصوص، لتستذكر بعدها بعض المواقف التي جمعتها بالراحلة، ومنها بالغناء في مسرحية «السدرة» التي جمعتها أيضاً مع الفنان المنصور، واختتمت كلمتها: «الفنان الحقيقي مثل حياة الفهد لا ينتهي ولا يموت، أعمالها رسخت في وجداننا، وبروحنا، في كل بيت، وفريج، وفي الخليج كله والوطن العربي».
رسالة وفاء
وألقى الأمين العام المساعد لقطاع الفنون في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب مساعد الزامل كلمة مؤثرة، نقل خلالها رسالة وفاء من رئيس المجلس وزير الدولة لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وزير الإعلام والثقافة بالوكالة عمر العمر، ومن الأمين العام للمجلس د. محمد الجسار.
ثم استعرض الزامل، في كلمته، الدور الكبير الذي اضطلعت به الفقيدة في إثراء الحركة الفنية والثقافية بالبلاد، مشيداً بما تركته من بصمة خالدة في وجدان الجمهور الكويتي والخليجي، التي ستظل حاضرة ومؤثرة عبر الأجيال، ليقول: «نقف اليوم مع لحظة استثنائية، لحظة وداع، لقامة صنعت تاريخاً، نودع سيدة الشاشة الخليجية حياة الفهد، التي لم تكن مجرد فنانة بل كانت صوتاً حين يعجز الكلام، ووجهاً حين تبحث الحكاية عما يجسدها بصدق، وعلى مدى عقود لم تقدم أدواراً فقط بل صنعت ذاكرة، وشكلت وعياً، وتركت أثراً لا يمحى».
بنت كيفان
أما الفنان القدير محمد جابر فقال مستذكراً علاقته بالراحلة: «تعود معرفتي بأم سوزان إلى سبعينيات القرن الماضي، وكنت أطلق عليها لقب بنت كيفان»، مبيناً أنه عمل معها في تسعة مسلسلات، ولم يرتبط حينها بأي عمل من إنتاج آخر، وأكد: «حياة الفهد كانت محبة لفريق عملها، وهذا الأمر لمسه أيضا لدى الفنانة سعاد عبدالله».
خاطرة تأبين
وذكر الفنان القدير جاسم النبهان: «لو أردت الحديث عن الزميلة والأخت الراحلة حياة الفهد فلن تكفيني سنوات طويلة لأوفيها حقها، لكنني أستحضر خاطرة أراها الأبلغ تعبيراً عما أود قوله، وهي خاطرة تأبين بعنوان رواية: الحياة رواية، بداية رواية ونهاية، أحداثها مؤثرة، فصولها معبرة، شخوصها في الذاكرة، باقية في الأذهان، يجسدها فنانة وفنان، كتبتها أنامل وبنان حياة الفهد».
مسيرة فنية وإنسانية
بدورها، استذكرت الفنانة هيفاء عادل الراحلة حياة الفهد بكلمات مؤثرة لمست القلوب، مشيرة إلى أنهما كانتا ضمن فريق واحد في «مسرح الخليج العربي»، حيث جمعتهما مسيرة فنية وإنسانية طويلة.
وقالت عادل، في مقتطفات من كلمتها، إن الراحلة كانت بالنسبة لها «بمنزلة الأم والأخت والصديقة والحبيبة»، مؤكدة أنها كانت دائماً السند والداعم في مختلف الظروف، ولم تتوان يوماً عن الوقوف إلى جانبها.
عطاء فني رائع
أما أمينة سر رابطة الأدباء الكويتيين جميلة سيد علي فقالت: «أرحب بكم حضورنا الكريم في رابطة الأدباء الكويتيين لنشترك الليلة بقلوب دامعة قبل العيون في تأبين ابنة الكويت، فنانة الجماهير، التي دخلت بحضورها الجميل وبكل تلقائية جميع البيوت لتستقر في أفئدة محبيها من جميع الأجيال. خطواتي الحزينة المتأنية وأنا اتجه إلى عنوان فقيدة الكويت، حياة الفهد، جسدت ما يغلف قلبي من لوعة وأسى، لأنها لن تكون في استقبالي واستقبال من قصدوا منزلها وفاء لذكراها بعد رحليها لتقديم واجب العزاء».
وأضافت سيد علي: «نعتز جميعاً بما قدمته حياة الفهد، رحمها الله، من عطاء فني رائع تجلى في الكثير من الأعمال المسرحية والتلفزيونية والنصوص الأدبية الهادفة التي لامست قضايا المجتمع بصدق وعمق وبأداء استثنائي جعلها أيقونة فنية جمعت بين الإبداع والرسالة على مدى ستة عقود، فتركت إرثاً فنياً خالداً في ذاكرة الأجيال وبصمة مضيئة في ذاكرة الجمهور».
اللقاء الأخير
واستذكر الفنان عبدالرحمن العقل لحظة تواصله مع نجلة الراحلة حياة الفهد «سوزان»، مصراً على رؤيتها، قائلاً: «كان عندي إحساس قوي»، ثم روى بتأثرٍ عميق مشاهد ذلك اللقاء الأخير، ليقول بعدها: «أم سوزان لا يمكن أن ننساها بحياتنا كلها».
وأشاد العقل بتنظيم الاتحاد بالتعاون مع الرابطة، شاكراً الحضور، وختم كلمته: «أتمنى من مسؤولينا ما ينسون أم سوزان، لأنها إنسانة رفعت رأسنا في كل مكان».
اسم كبير
إلى ذلك، أكد الفنان طارق العلي أنه لو تحدث عن الفنانة الراحلة القديرة الفهد فلن يوفيها حقها «أم سوزان مكانتها في القلب كبيرة»، معزياً ابنتها سوزان ورفقاء دربها الذين عاصروها، مضيفاً أن «الفهد اسم كبير في تاريخ الفن، وتشرفت بالعمل معها في أكثر من مسلسل، وكنت دائماً أناديها بالحنونة، ليس فقط على المجال الفني، بل على المستوى الإنساني أيضاً».
وتحدث كل من رئيس اللجنة الدائمة للفرق المسرحية بمجلس التعاون الخليجي خالد الرويعي، وخالد إبراهيم الصلال وشيماء علي، ومنى شداد، حيث عبروا في كلماتهم عن بالغ حزنهم لفقدان قامة فنية كبيرة، مستذكرين مناقب الراحلة ومسيرتها الحافلة بالعطاء، ومؤكدين أن إرثها سيبقى حياً في وجدان الجمهور وفي ذاكرة الفن الخليجي.
الشيخة أفراح الصباح: حياة رحلت جسداً ولم ترحل روحاً
قالت الشيخة أفراح المبارك الصباح: «نحن الليلة في ليلة استثنائية وهي تأبين الراحلة حياة الفهد، التي رحلت جسداً ولم ترحل روحاً»، مضيفة «هناك الممثل وهناك الممثل المؤثر، وحياة أثرت في حياتنا، فهي القدوة وهي الأم وهي النخلة».
وتابعت الشيخة أفراح: «عندما نذكر حياة فهي مشهود لها بالأصالة والهوية الوطنية والتاريخ، جسدت الأم، والزوجة، والعاشقة، والطالبة، جسدت كل هذه الأدوار فأجادتها ومثلتها بكل إخلاص»، وختمت: «رحمة الله عليها وطولة العمر للقامات الموجودين في هذه الليلة».
الخروصي: الفهد تركت إرثاً كبيراً
أعرب سفير سلطنة عمان لدى الكويت د. صالح الخروصي عن تقديره «المبادرة من القائمين على الحدث، رئيس الاتحاد الكويتي للإنتاج الفني والمسرحي وصنّاع المحتوى والترفيه، بالتعاون مع رابطة الأدباء الكويتيين، في تأبين سيدة الشاشة الخليجية الفنانة الراحلة حياة الفهد، أم سوزان، التي تركت إرثاً ثقافياً وفنياً كبيراً».
وأضاف الخروصي أن هذا الجمع بحضور الفنانين والمثقفين والأدباء جاءوا للوفاء لسيرة الفهد، معلقاً: «نسأل الله سبحانه وتعالى لها المغفرة والرحمة، ونثمن الجهود التي بذلها القائمون والمنظمون للتأبين، لأن هؤلاء رموز للفن عامة من الخليج والعالم العربي وليس في الكويت فحسب، وسيظل إرث الفنانة الراحلة الفهد حاضراً، ويشكل نبراساً تهتدي به أجيال من الفنانين الموجودين في الساحة الفنية، ونسأل الله تعالى التوفيق للجميع».