في كل مرة تتوتر فيها المنطقة، أو تضطرب الأسواق، أو ترتفع تكلفة الشحن، أو تعود أسعار النفط إلى التقلب الحاد، نعود إلى النقاش ذاته: هل اقتصادنا مستعد؟ هل مواردنا كافية؟ هل القطاع الخاص قادر على الصمود؟ وهل ما زلنا نملك ترف الانتظار؟
لكن الحقيقة أن الأزمات لا تكشف لنا شيئاً لا نعرفه، فهي لا تُخبرنا للمرة الأولى عن أن الاقتصاد الكويتي يعتمد بدرجةٍ كبيرة على النفط، ولا أنها تُفاجئنا بأن القطاع الخاص يحتاج إلى مساحةٍ أكبر، ولا أنها تكشف فجأة عن أن الخدمات اللوجستية أصبحت جزءاً أساسياً من قوة الدول، لا مجرَّد خدمةٍ مساندة... هذه كُلها حقائق معروفة منذ سنوات، لكنها في لحظات الأزمات تُصبح أكثر وضوحاً، وأكثر إلحاحاً، وأعلى تكلفة إذا تجاهلناها.
الأزمة، بهذا المعنى، ليست سبب الإصلاح، بل مرآته، فهي تعكس أمامنا ما تأخرنا في معالجته، وتضعنا أمام سؤالٍ بسيط، لكنه صعب: هل نستغل فترات التهدئة لإعادة ترتيب الأولويات، أم ننتظر الصدمة القادمة لنبدأ النقاش من جديد؟
النفط: مصدر القوة ونقطة الضعف
لا يمكن الحديث عن اقتصاد الكويت من دون الحديث عن النفط، فهو مصدر القوة المالية الأكبر، والرافعة التي بنت الدولة الحديثة، وموَّلت البنية التحتية، والخدمات، والرواتب، ومختلف أشكال الإنفاق العام. لذلك، ليس من المنطقي تصوير النفط وكأنه مشكلة بحد ذاته.
المشكلة ليست في النفط، بل في الاعتماد شبه الكامل عليه.
حين ترتفع أسعار النفط، تتحسَّن المالية العامة، وتتراجع الضغوط، فتبدو الحاجة إلى الإصلاح أقل إلحاحاً، وحين تنخفض الأسعار أو تضطرب الأسواق، تعود الأسئلة القديمة حول العجز، والاستدامة، والإنفاق، والقدرة على تمويل الالتزامات العامة، وبين الارتفاع والانخفاض تتكرَّر الدورة ذاتها، ارتياح مؤقت يعقبه قلق جديد.
وهنا تكمن المفارقة، فكلما منحنا النفط فرصة للتنفس، استخدمناها غالباً للتأجيل، لا للتغيير، فيما المنطق الاقتصادي يقول إن لحظات الوفرة هي أفضل وقتٍ للإصلاح، لأنها تُتيح للدولة أن تتحرَّك بهدوء، وأن تمول التحوُّل من دون ضغطٍ شديد على المجتمع أو على السوق.
المطلوب، إذن، ليس تقليل أهمية النفط، بل إعادة تعريف دوره. يجب أن يكون النفط ممولاً للتنويع، لا مبرراً لتأجيله، وأن يتحوَّل من مصدرٍ وحيد للدخل إلى قاعدةٍ مالية تساعد في بناء قطاعات جديدة قادرة على توليد قيمة وفرص عمل وإيرادات مستدامة.
الخدمات اللوجستية: الموقع لا يكفي
كثيراً ما نتحدث عن موقع الكويت الجغرافي بوصفه ميزة طبيعية، وهذا صحيح من حيث المبدأ، فالكويت تقع بمنطقة مهمة، قريبة من أسواق كبيرة، ومتصلة تاريخياً بحركة التجارة في الخليج وشمال الجزيرة العربية والعراق، لكن الموقع وحده لا يصنع اقتصاداً لوجستياً.
الدول لا تُصبح مراكز لوجستية لأنها تقع في مكانٍ مناسب فقط، بل لأنها تبني حول هذا الموقع منظومة كاملة، تشتمل على موانئ فعَّالة، وتخليص جمركي سريع، ومناطق تخزين، وخدمات نقل، وتشريعات مرنة، وربط بري وبحري، وأنظمة رقمية تقلل الوقت والتكلفة والغموض.
في الأزمات، تظهر أهمية هذه المنظومة بوضوح، فحين تتعطَّل بعض خطوط الإمداد، أو ترتفع كُلفة الشحن، أو تتأخر السلع، لا يكون السؤال فقط عن توافر البضائع، بل عن قُدرة الدولة على إدارة التدفق، وتخزين الضروري، وتسهيل حركة التجارة، وحماية السوق من الاختناقات المفاجئة.
لهذا يجب ألا ننظر إلى الخدمات اللوجستية كقطاعٍ خلفي أو إداري، بل كقطاعٍ اقتصاديٍ قائم بذاته، قطاع يمكن أن يخلق وظائف، ويجذب استثمارات، ويخدم التجارة الإقليمية، ويدعم الأمن الغذائي، ويساند الصناعة، ويمنح الكويت دوراً اقتصادياً أوسع من دور المستورد والمستهلك.
لكن ذلك يحتاج إلى انتقالٍ واضح من الحديث العام عن الموقع إلى قرارات تنفيذية تحوله إلى قيمة اقتصادية ملموسة.
القطاع الخاص: من الدعم إلى الشراكة
لا يمكن لأي تنويع اقتصادي أن ينجح من دون قطاعٍ خاص قوي، لكن قوة القطاع الخاص لا تُقاس بعدد الشركات المسجلة، ولا بعدد الرخص الصادرة، بل بقدرته على الإنتاج، والتوظيف، والاستثمار، والتوسع، والتكيف مع الأزمات.
في الكويت، لا يزال جزء كبير من القطاع الخاص يدور حول الإنفاق العام، سواء من خلال المناقصات، أو الاستهلاك المرتبط بالرواتب الحكومية، أو الدعم المباشر وغير المباشر، وهذا النموذج قد يكون مقبولاً في فترات الاستقرار، لكنه يُصبح هشاً عندما تتغيَّر الظروف.
فالقطاع الذي يعيش فقط على حركة الدولة يتأثر سريعاً إذا تباطأت المشاريع، أو تأخر الإنفاق، أو تغيَّرت الأولويات. أما القطاع الخاص المنتج، القادر على دخول أسواق جديدة، وتقديم خدمات تنافسية، وبناء نماذج عمل مرنة، فهو شريك حقيقي في الصمود، لا مجرَّد متلقٍ للدعم.
لذلك، فإن النقاش يجب أن ينتقل من سؤال: كيف ندعم القطاع الخاص؟ إلى سؤال أدق: كيف نبني قدرة القطاع الخاص؟
والفرق بين السؤالين كبير. فالدعم قد يعني حماية مؤقتة أو إعفاء أو تسهيلاً محدوداً. أما بناء القدرة، فيعني تمكين الشركات من النمو، وتسهيل التمويل، وتقليل البيروقراطية، وفتح الأسواق، وتطوير المهارات، وربط الحوافز بالإنتاجية، لا بمجرَّد الوجود.
في الأزمات، لا تحتاج الدولة إلى قطاعٍ خاص ينتظر التعويض، بل إلى قطاعٍ خاص يستطيع أن يتحرَّك معها، ويخفف الضغط عنها، ويُسهم في حماية الوظائف واستمرارية الخدمات.
المشكلة ليست في الرؤية
ربما لا تكون مشكلة الكويت في غياب الرؤية، فقد تحدَّثنا كثيراً عن التنوُّع الاقتصادي، والمركز المالي والتجاري، وتطوير الموانئ، وتمكين القطاع الخاص، وتحسين بيئة الأعمال، والتحوُّل الرقمي... هذه العناوين موجودة منذ سنوات، وتتكرَّر في الخطط والبرامج والتصريحات.
لكن المشكلة الحقيقية تكمن في بطء التحويل من الرؤية إلى القرار، ومن القرار إلى التنفيذ، ومن التنفيذ إلى نتائج قابلة للقياس.
فالرؤية، مهما كانت جيدة، لا تغيِّر الاقتصاد إذا بقيت في الوثائق، والخطط لا تخلق فرص عمل إذا لم تتحوَّل إلى مشاريع. والاستراتيجيات لا تبني قطاعات جديدة إذا لم تُربط بمسؤوليات واضحة، وجداول زمنية محددة، ومتابعة جادة.
الأخطر من غياب الرؤية، أن تكون الرؤية موجودة، لكن تنفيذها بطيء إلى درجة تجعل كل أزمة تُعيدنا إلى نقطة البداية، نُعيد طرح الأسئلة نفسها، ونشخِّص المشكلات نفسها، ونقترح الحلول نفسها، ثم ننتظر حتى تهدأ الأزمة، فتعود الأولويات القديمة إلى مكانها، وكأن شيئاً لم يكن.
ما بعد التهدئة
التهدئة لا تعني أن الخطر انتهى، بل تعني أن الفرصة عادت، ففي لحظة الأزمة تنشغل الدول بإدارة الضرر. أما في لحظة الهدوء، فتُختبر قدرتها على الإصلاح.
والكويت لا تحتاج اليوم إلى إعادة اكتشاف مشكلاتها الاقتصادية، فهي معروفة، ومكتوبة، ومناقشة منذ سنوات، ما تحتاجه هو تحويل هذه المعرفة إلى قرارات أسرع، وأولويات أوضح، وتنفيذ أكثر جدية.
فالنفط يمكن أن يبقى مصدر قوة، إذا استخدمناه لبناء ما بعده. والموقع الجغرافي يمكن أن يتحوَّل إلى قيمة، إذا دعمناه بمنظومة لوجستية فعَّالة. والقطاع الخاص يمكن أن يُصبح شريكاً في الصمود، إذا انتقلنا من حمايته إلى تمكينه. والرؤية يمكن أن تُصبح واقعاً، إذا قِسنا نجاحها بما يتحقق على الأرض، لا بما يكتب في الخطط.
الأزمات لا تصنع الإصلاح وحدها، لكنها تمنحنا إنذاراً واضحاً بأن كُلفة التأخير لم تعد نظرية.
والسؤال الآن ليس: هل نحتاج إلى التنويع؟ بل: هل نملك الشجاعة على استخدام فترة الهدوء قبل أن تأتي الأزمة القادمة، فنطرح الأسئلة نفسها من جديد، ولكن بثمن أعلى؟
* الشريك المدير
دوتسلينك للاستشارات