قدّم ملك بريطانيا تشارلز الثالث خلال زيارته الحساسة للولايات المتحدة نموذجاً لدبلوماسية القوة الناعمة، وتمكّن بأدائه المتوازن بين الحزم السياسي والذكاء الساخر، في إعادة ضبط إيقاع العلاقة المتوترة بين لندن وواشنطن، بسبب حرب إيران والانقسام حول ملفَي أوكرانيا وحلف الناتو.

وحوّل تشارلز زيارته من مناسبة احتفالية بمرور 250 عاماً على الاستقلال لمهمة معقّدة جمعت بين التاريخ والبراغماتية والروابط الثقافية لإنقاذ «العلاقة الخاصة»، وإعادة ترميم التحالف الأنغلو ــ أميركي.

ونجح تشارلز بأسلوب ذكي ساخر في تفكيك حدة الخلاف برسائل سياسية مغلّفة بالفكاهة خلال لقاءاته مع الرئيس دونالد ترامب، صاحب المزاج المتقلب، قبل أن يكرّس خطابه أمام الكونغرس لتوجيه تحذير استراتيجي صريح بأن هذا التحالف «لا يمكنه الاكتفاء بإنجازاته السابقة».

Ad

ومنذ لحظاتها الأولى، حملت زيارة تشارلز، التي بدأت باستقبال حافل في البيت الأبيض، إشارات مزدوجة، فبينما احتفى ترامب بضيفه الملكي واصفاً البريطانيين بأنهم «أقرب أصدقاء الأميركيين»، لم يتراجع عن انتقاداته لرئيس حكومتهم العمالي كير ستارمر بسبب رفضه الانخراط الكامل في حرب إيران، أو السماح باستخدام قواعدهم في الضربات الأولى.

لكن تشارلز اختار الرد بطريقة مختلفة تماماً، ولجأ إلى «الدبلوماسية الساخرة» خلال العشاء الرسمي، مستحضراً التاريخ المشترك بنبرة خفيفة حملت رسائل عميقة. 

ففي رد مباشر على تصريحات سابقة لترامب بأن «أوروبا كانت ستتحدث الألمانية لولا أميركا»، قال تشارلز: «لولا البريطانيون لكنتم تتحدثون الفرنسية»، في إشارة إلى الصراع الاستعماري القديم في أميركا الشمالية، قبل أن يحوّل واحدة من أكثر اللحظات حساسية في التاريخ الأميركي وهي حرق البيت الأبيض عام 1814 إلى نكتة ذكية بقوله، إن البريطانيين قاموا حينها «بمحاولة متواضعة لإعادة تطوير المبنى عقارياً»، ما أثار ضحكات الحضور وخلق أجواء ودية.

ولم تقتصر الرسائل الساخرة على التاريخ البعيد، بل شملت الواقع السياسي، حيث مازح الملك بشأن التعديلات الجارية في الجناح الشرقي للبيت الأبيض، كما شبّه مأدبة العشاء الحالية بأنها «تحسن كبير» مقارنة بحادثة «حفلة شاي بوسطن» عام 1773، التي أطلقت شرارة الثورة الأميركية على التاج البريطاني. 

وكان الحدث الأبرز في الزيارة هو إلقاء تشارلز ثاني خطاب لملك بريطاني أمام الكونغرس بعد والدته الملكة إليزابيث الثانية عام 1991، والذي قدّم فيه رؤية استراتيجية للعلاقة عبر الأطلسي، مستهلاً حديثه بإقرار صريح بحجم التحديات، قائلاً إن البلدين يعيشان «أوقاتاً من عدم اليقين الشديد»، في ظل صراعات تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط، في إشارة مباشرة إلى الحرب في إيران والانقسام حولها.

وركّز تشارلز على فكرة أساسية أن التحالف التاريخي لم يعد كافياً، قائلاً بوضوح إن الشراكة لا يمكنها الاكتفاء بالإنجازات السابقة»، داعياً إلى تجديد الالتزام بالديموقراطية والتحالفات الغربية. وشدد على أن «كلمات أميركا مهمة، لكن أفعالها أهم»، وهي عبارة فسّرها الديموقراطيون على أنها رسالة موجهة لترامب.

واستدعى تشارلز إرث بريطانيا القانوني من «الماغنا كارتا» إلى وثيقة الحقوق، ليؤكد أن السلطة التنفيذية يجب أن تخضع لضوابط وتوازنات، في إشارة أثارت تصفيقاً حاراً من الديموقراطيين، الذين ينتقدون توسيع ترامب لصلاحياته. 

وشدد على أن الخلافات ليست جديدة، مستحضراً روح عام 1776 بالقول: «يمكننا أن نتفق على أننا لا نتفق دائماً»، لكنه أكد أن الاتحاد بين البلدين قادر على تحقيق إنجازات عالمية كبرى.

ووجّه تشارلز رسالة واضحة بضرورة الحفاظ على «الناتو»، مشيراً إلى أنه أثبت أهميته التاريخية، خصوصاً بعد هجمات 11 سبتمبر. ودعا إلى استعادة «العزيمة نفسها» لدعم أوكرانيا وتحقيق سلام عادل، في موقف يعكس قلقاً أوروبياً من تراجع الالتزام الأميركي. 

وتجنّب الملك الخوض المباشر في بعض القضايا الشائكة مثل قضية جيفري إبستين، مكتفياً بإشارة عامة إلى ضرورة دعم ضحايا الانتهاكات.

وحرص تشارلز على تعزيز البعد الرمزي والإنساني، وقدم لترامب هدية عبارة عن جرس غواصة بريطانية تحمل اسم «HMS Trump» تعود إلى عام 1944، قائلاً إن الجرس «شاهد على التاريخ المشترك ومستقبل البلدين»، لكنه أضاف متوجهاً إلى ترامب «إذا احتجت إلينا فقط اقرع الجرس»، في عبارة فُسّرت على أنها تعليق ذكي على سخرية ترامب من البحرية البريطانية، لكن مطالبته الملحة بمشاركة بريطانيا في إرسال سفن لفتح مضيق هرمز.

 في المقابل، استغل ترامب الأجواء ليطلق تعليقاً لافتاً، قائلاً إن تشارلز «نجح في جعل الديموقراطيين يقفون للتصفيق، وهو أمر لم أستطع فعله»، في إشارة إلى خطابه أمام الكونغرس، بينما نشر البيت الأبيض صورة تجمعهما تحت عنوان «ملكان»، في تحدٍّ لشعار «لا ملك» التي رفعتها تظاهرات احتجاجية ضده.

وانتقل تشارلز إلى نيويورك لإحياء الذكرى الـ 25 لهجمات 11 سبتمبر، واضعاً إكليلاً من الزهور في الموقع التذكاري. وأكد أن العالم «شعر بألم أميركا، وبريطانيا وقفت معها حينها، وتقف معها الآن».