كتبتُ عدة مقالات، وعلى فترات متباعدة، عن ضرورة فك مصير شريان النفط الكويتي بمضيق هرمز، المرهون بالمزاجية العدوانية الإيرانية، فالبديل موجود، بمد خطوط أنابيب عبر الشقيقة السعودية إلى مصبَّاتها الآمنة، وهي كثيرة ومتنوعة، فهذا المضيق أصبح مصدر تهديدٍ مزاجي من عدوٍ لا يُقيم اعتباراً للجيرة، ولا وزناً للقوانين الدولية.
كان يجب أن يتوافر هذا البديل منذ عقود، لكنه لم يُنفذ، لغياب القرار السياسي الجريء، الذي لو اتُّخذ في وقته، لما واجهنا الآن مأزق التصدير المزمن مرةً أخرى، ولما فاتتنا فُرص الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط الفلكية الأخيرة، وما أكثرها من فُرصٍ ضاعت على الكويت.
الآن، وبعد الاعتداءات الإيرانية - العراقية المتزامنة والمتكررة على كل دول المجلس، التي طالت المنشآت النفطية، والكهربائية، والحيوية، ومنها المطارات، أصبح من المُلِح، بل من الواجب، أن يُبادر مجلس التعاون، الآن وليس لاحقاً، إلى إنشاء منظومة ربط خليجي متكامل تشمل كل دول المجلس السِّت.
إنه طموح مُكلِف، لكنه مُستحق، فهو مهم استراتيجياً وأمنياً واقتصادياً وتجارياً، وهو ضامن لانسيابية سلاسل الطاقة، والأمن الغذائي، والاحتياجات الإنسانية. إنه مشروع، لو اعتُمِد، لَنَقَلَ الكتلة الخليجية إلى العالمية مباشرةً وبسلاسة، ومن دون عوائق مزاجية تتحكَّم في مصير شعوبها ومصدر رزقها.
يمكن تحويل فكرة «منظومة الربط الخليجي المتكامل»، إلى واقعٍ قابلٍ للتنفيذ، عبر تأسيس شركات خليجية مساهمة، وسيكون لها بالتأكيد فوائد استراتيجية هائلة للجميع، إن كان في أوقات السِّلم أو في الأزمات، فالأموال متوافرة، والأمر لا يحتاج إلا إلى قرارٍ مُوحَّد.
فلقطاع البترول ومشتقاته تُقام شبكات عملاقة وهائلة لخطوط أنابيب تمرُّ عبر الشقيقة الكبرى السعودية إلى البحر الأحمر، أو إلى البحر المتوسط عبر الأردن وسورية ولبنان، وصولاً إلى تركيا، ثم أوروبا. هذه المسارات تتجاوز كل المضائق الخطرة، وتُخلِّصنا من الأزمات المفتعلة، وفي الوقت نفسه توفر تكاليف النقل والتأمين بالوصول المباشر إلى مصبَّاتها في أوروبا، مما يجعل من دول مجلس التعاون موردها الموثوق للطاقة.
الربط السككي والبري- وهو ما تقوم بدراسته حالياً المملكة العربية السعودية لربطها بالأردن وسورية، ومن ثم تركيا- نتمنَّى أن تقوم شركة خليجية مساهمة بالمشاركة في هذا المشروع المهم والحيوي، وأن يتم ربط كل شبكات السكك الخليجية به. هذا المشروع، إذا تم، فإنه سيوفر في الأسعار والتأمين، وسَيُسرِّع من انسيابية التبادل التجاري، والنقل، والسَّفر البري.
إن تكامل الموانئ وترابطها البحري بين الخليج العربي والبحر الأحمر والمتوسط، يعني تحوُّل المنطقة إلى مركز ترانزيت عالمي، فالشركة الخليجية المشتركة المقترحة ستُدير الموانئ كمنظومةٍ واحدة متكاملة، لا متنافسة، لتوجيه السفن من وإلى الموانئ الأنسب لها.
هذا التكامل تم فعلاً في ربط شبكات الكهرباء الخليجية ببعضها، وكان أكثر من ناجح، وقد جُرِّب عندما حصل نقص طاقة في إحدى دول المجلس، فتم تعويضها فوراً من هذه الشبكة.
لـ «منظومة الربط الخليجي المتكامل» فوائد أخرى، فطرح جزء من هذه الشركات للاكتتاب العام لمواطني دول الخليج سيخلق حالةً من الولاء والاطمئنان، وسيُشعرهم بأن أمن هذه المشاريع من أمنهم، وسيوفر لهم الكثير من فُرص العمل.
تنفيذ هذه المشاريع الهائلة سيُحوِّل المنطقة إلى مُحرِّك مُعتَبَر للتجارة العالمية، فهذه المشاريع، إذا أُنجزت، فستجعل من دول مجلس التعاون الخليجي الجسر الرئيسي للطاقة والتجارة العالمية، وستُعيد رسم خريطة النفوذ الاقتصادي في العالم لمصلحة منطقتنا.
فلنتحد، ولنكن قوة اقتصادية تجمعنا المصالح المشتركة في مشاريع تنموية متكاملة تجعل من استقرار أي دولة استقراراً للمنظومة بالكامل، وقد قِيل: «قوم تعاونوا ما ذلَّوا».