في وقت كانت الخرطوم تشهد معارك دامية بعد اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، اتخذت حياة من بقي من السكان فيها إيقاعاً يمليه الموت، فكلما دوى انفجار هرع الجميع إلى مكان القصف لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وفي ظل بنية تحتية مدمرة، اعتمد السكان في نقل القتلى والمصابين على الدراجات النارية والهوائية وحتى الجرافات. في غرف الطوارئ، شمّر كل من تلقّى تدريباً طبياً ولو جزئياً، عن ساعديه، ليتحرّك مع آخرين، وسط برك من الدماء.
وتطوّع البعض في التكايا (مطابخ عامة تقدّم وجبات مجانية)، وآخرون في دفن الموتى بمقابر مؤقتة وغير رسمية في كثير من الأحيان.
ودفعت الحرب السودانيين إلى تنظيم أنفسهم في شبكات تطوعية مدنية خلقتها الحاجة، بينما «تُرِك السودان وحيداً» في مواجهة أكبر أزمة إنسانية بالعالم.
والتقت وكالة الصحافة الفرنسية بعض هؤلاء المتطوعين الذين يوجد مثلهم الآلاف في جميع مناطق السودان التي يصعب الوصول إلى معظمها.
وقال ناصر نصر الدين، الذي كان يدرس الاقتصاد وتحوّل إلى الصيدلة ثم تحوّل إلى ممرض بمستشفى في أم درمان بالخرطوم، بينما يقف أمام الصيدلية المجانية التي يديرها مع رفاقه، والتي كانوا يغلقونها كلما حصل قصف ليباشروا عملهم كمسعفين وممرضين، «هنا، ينبغي على الجميع العمل في كل شيء».
ورغم ساعات العمل الطويلة، لم يرغب نصر الدين في مغادرة المستشفى حتى لأداء امتحاناته المؤجلة، ويقول: «الخمس ثوانٍ تحدث فرقاً. ماذا لو غادرت ومات شخص كان يمكنني إنقاذه؟».
أما أسامة إسماعيل فقد قضى الجزء الأكبر من الحرب في الشوارع، متحدياً طلقات الرصاص وقذائف المدفعية لتوصيل الدواء والغذاء للمحتاجين، مؤكداً «اعتدنا الرصاص. يمكن أن تقع قذيفة خلفك أو تمر الطلقات أمامك، ولكن يجب أن نستمر، ينبغي أن نقوم بتوصيل الحاجات. هذا أهم شيء».
وتولى إسماعيل مسؤولية توصيل الوجبات التي تعدها هدى في واحدة من التكايا القليلة التي كانت ما زالت تعمل.