مضى الوقت ثقيلاً وطويلاً، كما المسافة من هنا حتى جنوب الجنوب. بقينا نتابع أخبارها، ونعمل على الاطمئنان، لعل أحدهم يقول كلمةً تُبرِّد قلوبنا على آمال خليل ورفيقتها زينب. بعض السكون خيَّم عندما قِيل: تم انتشال زينب، ونُقلت إلى المستشفى مصابةً بكثير من الجروح. 

بقيت دقات قلوبنا تتصاعد، والانتظار أصعب من هول اللحظة، بل علَّمنا الزمن، خصوصاً في السنتين الأخيرتين، أنه أكثر وجعاً من الموت نفسه ربما! 

لم يكتفوا بمطاردتها وقتلها، بل وقفوا ليمنعوا إسعافها، لضمان أن تفارق الروح الجسد، فكان أن رحلت آمال، وتركتنا مع دمها ودموعنا نغسل ربما ما تبقَّى من وجع الصمت القاتل! 

Ad

زُفت آمال في مشهدٍ يُشبه العُرس، وهي تستحق أكثر من ذلك، هي وأهل الجنوب كُلهم الواقفون وحدهم هناك، في أقصى زاوية ملاصقة لفلسطين. 

ساد صمتٌ طويلٌ في بقعٍ مختلفة كُنتَ تتمنَّى أن تبقى آمال هناك تنقل تفصيل التفصيل حتى آخر روحٍ باقية في أرض سُقيت من عرق ودم أهلها مرات ومرات. 

تعرَّفتُ على الجنوب منذ سنين، وهناك عرفت معنى أن تسكن بلدةً في وادٍ أو سفح جبل أمامه السهول منبطحة تتلوَّن مع الفصول تارةً خضراء كما قلوب أهلها، ومرات بألوانٍ وألوان. 

هناك في جنوب الجنوب تعرَّفت على كيفية تغيُّر ألوان الطبيعة مع الفصول، وكيف يتحوَّل السهل إلى امتدادٍ من أزهار ونباتات لا يعرفها إلا هم، من أقحوان، وحنون، وشقائق النعمان، والخبيزة التي تمتد من فلسطين إلى جنوب لبنان. 

يُبهرك جنوب الجنوب بجمالٍ لا يعرفه كثيرون، ليس جمال المُدن الصاخبة، ولا المنتجعات المزدحمة، بل جمال الصمت، جمال البساطة، جمال الأرض حين تلتصق الروح بها، أي يبقى صاحب الأرض مُمسكاً بتراب أرضه حتى آخر رمق. 

هناك، لا تكون الطبيعة خلفيةً للمشهد، بل هي جزء من الحياة اليومية، من الذاكرة، من الحكاية التي تُروى جيلاً بعد جيل... لكن هذا الجمال لا يُرى كما هو. دائماً هناك ظلٌّ يمرُّ فوقه، قلقٌ دائم، فهناك مَنْ هو متربص بهذه الأرض لا تتوقف طائرته عن اختراق حُرمات سمائه، وتقف بالونات تحمل الكاميرات تُصوِّر كل نَفَسٍ وكل حركة، وكأنك تقف هناك وحدك. 

يتحدَّث أهلها عن أرضهم وانتصاراتهم بفخر، ويواجهون الموت بكثيرٍ من العزة، ويدفنون شهداءهم إذا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، أو يُودعونهم بقعةً هنا أو هناك، حتى يحين موعد الرقاد الأخير في حضنها. 

آمال خليل بقيت متمسكةً بجنوبها تنقل الحدث وتفاصيل أيام أهله، تلك التفاصيل في وجه امرأة تنتظر خبراً أو تعود لتجد بقايا بيتها الذي كان، فتقف لترفق الحجر حجرة حجرة، وتُعيد البناء، أو في عيون طفلٍ يركض بين الحقول، وقد اعتاد أصوات طيرانهم واختراقهم لحاجز الصوت، أو حتى في نبتةٍ تقاوم الدمار، فتخرج من تحت الركام وتزهر. 

لأن أهل الأرض مثل نبتها لا يموتون، ويُعيدون الولادة بعد كل معركة، يعرف الصهيوني أن عليه أن يكسر إرادتهم وسرديتهم أيضاً، فتبقى الرواية كما يريدها هو، فيما آمال ورفاقها يحاربونهم بأهم سلاح في المقاومة، وهو الكلمة والصورة وتفاصيل اللحظة. 

في استشهادها، لم تُستهدف فقط لأنها قريبة من الحدث، بل لأنها كانت تُقاتل في جبهةٍ أخرى: جبهة السردية. كانت تقول للعالم إن هذه الأرض ليست مجرَّد ساحة حرب، بل هي مكانٌ حيٌّ، مليءٌ بالحياة، بالناس، بالذاكرة. وهذا ما لا يُراد له أن يُقال. 

يبقى الجنوب، رغم كل شيء، واقفاً. تبقى سهوله تزهر كل ربيع، وتبقى أسماؤه محفورةً في ذاكرة مَنْ عرفه. وبين كل زهرة تنبت هناك، حكاية، وربما اسم، اسم آمال التي رحلت، لكنها تركت ما يكفي من الضوء، حتى في أكثر اللحظات عتمة.

* يُنَشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية