يقول الخبر إن مجلس الوزراء بحث موضوع إعادة هيكلة الأجهزة الحكومية والمؤسسات العامة في الدولة، وذلك في خطوة استراتيجية تهدف إلى تحديث منظومة الإدارة العامة وترشيق أجهزة الدولة ورفع كفاءتها، أهمية ذلك الخبر تأتي بعد تنفيذ الحكومة توجهاتها بإلغاء عدة جهات، مثل الهيئة العامة للطرق والنقل البري، وإلغاء جهاز متابعة الأداء الحكومي، الأمر الذي دفعني إلى فتح موضوع مستقبل عمل الأجهزة الرقابية ودورها في طول الدورة المستندية.
في البداية يجب التفريق بين عمل جهازين رقابيين على أعمال الحكومة، الأول وهو ديوان المحاسبة الذي يجسد الرقابة المالية للبرلمان، أما الثاني فهو جهاز المراقبين الماليين، ويمثل رقابة الحكومة على الحكومة، وتم تأسيسه عام 2015م، وقد يبدو نظرياً أن ذلك الكم من الجهات الرقابية سيسهم في القضاء على الهدر المالي ومحاربة التعدي على المال العام، ولكن ما حصل هو العكس، وتحولت الرقابة المالية إلى كابوس حقيقي لصناع القرار.
ونأتي الآن لجهاز المراقبين الماليين، فهذا الجهاز الذي تموضع داخل كل جهة حكومية يقوم بتعيين مجموعة من الموظفين المختصين بلغة الأرقام في جميع الجهات الحكومية على اختلاف تخصصاتها وأعمالها لفترة من الزمن، ثم يتم تحويلهم إلى جهة أخرى، وأصبح الشغل الشاغل لموظفي الجهات الحكومية الشرح المسهب لطريقة إنجاز أعمالهم، وتبيان أهمية شراء ذلك الجهاز أو ذاك، والإجابة عن سيل من الأسئلة التفصيلية التي لا تتوقف أو تتكرر بعد استلام فريق رقابي جديد مكان القديم، وهكذا تدور عجلة المعاملات وتنخفض مسؤولية القياديين بتأشيرة رفض أو امتناع المراقب المالي.
إذاً ما هو الحل؟ وما البديل؟... الحل ومن خلال الرصد والمتابعة يتلخص في شقين، الأول قابل للتنفيذ السريع، وهو إلغاء جهاز المراقبين الماليين، وتوزيع جميع موظفيه على وحدات تنظيمية يتم إنشاؤها، أو إضافة اختصاصاتها الرقابية للمكاتب الفنية التابعة مباشرة لكل وزير في وزارته، وبذلك نضمن توفر الحماية له، وتراكم معرفة كل رقيب بأعمال وزارته. الشق الثاني وهو يحتاج إلى بعض الوقت وملخصه الانتقال من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الذكية، عبر الاستعانة بأنظمة المراقبة المالية الإلكترونية المتكاملة تدريجياً، وقد تم تطبيقها فعلياً في السعودية عبر منظومة عرفت بـ«شامل»، تعتمد على تقنيات التشغيل الآلي والذكاء الاصطناعي لأتمتة ومراقبة العمليات بدلاً من تركها للمراجعة اليدوية المتقطعة، وهي تحقق الرقابة الفورية والحوكمة بشكل أفضل، وتم توجيه «شامل» لتحويل المستودعات الحكومية من نظام ورقي معطّل إلى منصة ذكية، مما قلل الهدر، ووحّد الإجراءات وسرّع إنجاز المهام. في الختام ما نطمح إليه بتحقيق أداء حكومي أفضل بوجود رقابة مالية محكمة، ليس حلماً بعيد المنال، فما تم من إجراءات الهيكلة يثبت أن المجال مفتوح لتجاوز السلبيات، وهي كثيرة ومتراكمة وتحتاج إلى قرارات مدروسة وسريعة.