شهدت الأسواق العالمية أسبوعاً اتسم بتداخل عدد من الاتجاهات المتباينة، تمثلت في استمرار التعافي القوي لأسواق الأسهم بفضل الإعلان عن تسجيل نتائج مالية قوية عن فترة الربع الأول من العام، وفي ظل بيئة جيوسياسية غير مستقرة لم تشهد انفراجاً حاسماً. 

وحسب تقرير أسواق النقد الأسبوعي الصادر عن بنك الكويت الوطني، افتتحت الأسواق تعاملات الأسبوع في حالة لتجنب المخاطر، عقب تعثر مفاوضات السلام بين الولايات المتحدة وإيران خلال عطلة نهاية الأسبوع وإعادة إغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى تقويض جانب كبير من التفاؤل الذي دفع مؤشر ستاندرد آند بورز500 لتسجيل مستوى قياسي تجاوز 7.000 نقطة خلال الأسبوع السابق. إلا أن تمديد وقف إطلاق النار، بما في ذلك تمديد منفصل مدة ثلاثة أسابيع للهدنة مع لبنان، ساهم في الحد من احتمالات التصعيد الكامل، مما حال دون تحقق أسوأ السيناريوهات، ودعم ذلك استقرار أسواق الأسهم على الرغم من تخليها عن جزء من مكاسبها الأخيرة. 

وبنهاية الأسبوع، حافظ مؤشر ستاندرد آند بورز 500 على تداوله بالقرب من أعلى مستوياته التاريخية، مدعوماً بأداء قوي لنتائج الربع الأول من العام مع نمو سنوي في نطاق ثنائي الرقم، مع قيادة قطاعات التكنولوجيا وخدمات الاتصالات وتجزئة السلع الكمالية لموجة التعافي خلال شهر أبريل. 

Ad

في المقابل، واصلت أسهم الطاقة التراجع من ذروتها المدفوعة بتداعيات الحرب، لكنها استقرت مع اقتراب أسعار النفط من مستوى 100 دولار للبرميل. 

وتتجه أنظار الأسواق إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفدرالي، المقرر الاثنين والثلاثاء، الذي يمثل المحفز الرئيسي المرتقب، في ظل تسعير الأسواق لاحتمال شبه كامل للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50%–3.75%، مع تركيز خاص على أي إشارات توجيهية بشأن المسار المستقبلي للسياسة النقدية في ضوء هشاشة وقف إطلاق النار.

مسار تدريجي 

مثل كيفن وارش أمام لجنة البنوك في مجلس الشيوخ خلال جلسة تأكيد تعيينه رئيساً لمجلس الاحتياطي الفدرالي خلفاً لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته في 15 مايو. 

وقد حظيت شهادته بمتابعة دقيقة من الأسواق بحثاً عن مؤشرات بشأن استقلالية البنك المركزي، ومسار أسعار الفائدة، وإطار التعامل مع التضخم. 

واتسمت تصريحاته بنبرة متوازنة، إذ أكد على استقلالية الاحتياطي الفدرالي عن الضغوط السياسية، في إشارة مهمة في ظل دعوات البيت الأبيض لخفض أسعار الفائدة، كما جدد التزامه بالمستوى المستهدف للتضخم البالغ 2%. 

وفيما يتعلق بمسار السياسة النقدية، أبدى دعمه لخفض سعر الفائدة بمعدل ثلاث إلى أربع مرات خلال عام 2026 في حال سمحت الظروف الاقتصادية بذلك، وهو توجه يعد أكثر ميلاً للتيسير مقارنة بتسعيرات الأسواق الحالية. 

كما أشار إلى أن التطورات المرتبطة بالحرب لم تحدث تغييراً جوهرياً في نظرته للتضخم على المدى المتوسط. وسلط وارش الضوء كذلك على عوامل الانكماش الهيكلي للتضخم المدعومة بمكاسب الإنتاجية الناتجة عن تقنيات الذكاء الاصطناعي، معتبراً أنها قد تتيح المجال لتيسير السياسة النقدية دون إعادة إشعال الضغوط التضخمية. 

وقد فسرت الأسواق هذه التصريحات على أنها تميل إلى التيسير بشكل معتدل مقارنة بالمخاوف من تبني نهج أكثر تشدداً، ما انعكس في تراجع الدولار هامشياً خلال جلسة التداول وتحسن أداء القطاعات الحساسة لأسعار الفائدة إلى حد ما.

السياسة النقدية لبنك كندا

تسارعت وتيرة التضخم الكلي في كندا بشكل ملحوظ خلال شهر مارس، مرتفعاً بنسبة 0.9% على أساس شهري و2.4% على أساس سنوي، مقابل 1.8% في فبراير، ومتجاوزاً التوقعات بشكل واضح. 

وجاء هذا الارتفاع مدفوعاً بصفة رئيسية بقطاع الطاقة، ولا سيما أسعار البنزين، التي قفزت نتيجة اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالنزاع مع إيران. 

وتعكس مضاعفة المعدل السنوي خلال شهر واحد سرعة انتقال صدمة أسعار النفط إلى أسعار المستهلكين. 

وفي المقابل، أظهرت مؤشرات التضخم الأساسي، التي يعتمد عليها بنك كندا لقياس الضغوط السعرية الجوهرية، صورة أكثر استقراراً، حيث ظل التضخم الأساسي المعدل باستبعاد تكاليف الطاقة عند مستويات مستقرة نسبياً. 

وتمثل هذه المفارقة نقطة محورية في تقييم السياسة النقدية، إذ إن الطابع المؤقت لصدمة النفط قد يسمح بعودة التضخم الكلي إلى مساره الطبيعي دون الحاجة للجوء إلى تدابير التشديد النقدي، في حين أن انتقال هذه الضغوط إلى الأجور وقطاع الخدمات قد يضع البنك أمام معضلة تشديد السياسة النقدية. 

ومن المتوقع على نطاق واسع أن يبقي بنك كندا أسعار الفائدة دون تغيير عند مستوى 2.25%، في حين تسعر الأسواق أول رفع محتمل لسعر الفائدة في أكتوبر 2026.

ارتفع معدل التضخم الكلي في المملكة المتحدة إلى 3.3% في مارس، متجاوزاً التوقعات البالغة 3.0%، ليسجل أعلى مستوياته في ثلاثة أشهر، مدفوعاً بصفة رئيسية بالتسارع الحاد لأسعار وقود السيارات مع انتقال تأثيرات النزاع مع إيران إلى أسعار التجزئة. 

وعلى أساس شهري، ارتفع مؤشر الأسعار بنسبة 0.7%، أي أكثر من ضعف الزيادة المسجلة في الفترة المماثلة من العام الماضي البالغة 0.3%. 

في المقابل، استقر التضخم الأساسي عند 3.1%، مقابل 3.2% في فبراير، ما يشير إلى أن ارتفاع التضخم في مارس كان مدفوعاً بعوامل الطاقة بالدرجة الأولى، وليس نتيجة لتصاعد الضغوط السعرية المحلية في الوقت الراهن. 

ومع ذلك، ارتفع تضخم قطاع الخدمات، وهو المؤشر الأكثر أهمية لدى بنك إنجلترا لقياس الضغوط المحلية، إلى 4.5% مقابل 4.3%. 

كما سجلت أسعار مدخلات المنتجين ارتفاعاً بنسبة 5.4% على أساس سنوي، وزادت تكاليف النفط الخام بنسبة 58.3%، ما يعكس أن الضغوط السعرية لم تنتقل بالكامل إلى أسعار المستهلكين.

ويعمل بنك إنكلترا، الذي قرر بالإجماع الإبقاء على سعر الفائدة عند 3.75% في مارس، في ظل هذه البيئة المعقدة، حيث يعاود التضخم الارتفاع، وتظل ضغوط قطاع الخدمات مرتفعة، في وقت تتراجع فيه آفاق النمو تحت وطأة صدمة الطاقة. 

وتشير تسعيرات الأسواق حالياً إلى توقعات برفع أسعار الفائدة عدة مرات قبل نهاية العام، وهو ما تعززه هذه القراءة التي تسلط الضوء على تصاعد المخاطر التضخمية.

منطقة اليورو      

تراجعت القراءة الأولية لمؤشر مديري المشتريات المركب لمنطقة اليورو بشكل حاد إلى 48.6 في أبريل، منخفضاً دون مستوى الـ 50 الفاصل بين التوسع والانكماش لأول مرة منذ 16 شهراً، في ظل التأثير المباشر لتداعيات النزاع مع إيران على نشاط قطاع الخدمات عبر دول المنطقة. 

ويعكس هذا التراجع تدهوراً ملحوظاً مقارنة بقراءة مارس البالغة 50.7، كما جاء دون توقعات السوق، ما يؤكد أن أوروبا تتحمل حصة أكبر من صدمة الطاقة العالمية. 

وفي ألمانيا، عاد القطاع الخاص إلى الانكماش لأول مرة منذ نحو عام، مع تراجع نشاط الخدمات بحدة نتيجة تدهور ثقة المستهلكين ووقوع الشركات تحت ضغوط ارتفاع تكاليف الطاقة.