يُنظر إلى التطوع أحياناً بوصفه جهداً إضافياً أو نشاطاً جانبياً يُمارس في أوقات الفراغ، بينما الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.

فالتطوع، حين يُنظَّم ويُدار باحتراف، ليس مجرد عمل خيري أو خدمة اجتماعية عابرة، بل وسيلة فعالة لاكتشاف الطاقات الكامنة في المجتمع، وفي مقدمتها طاقات الشباب، وتحويلها إلى قوة منتجة تخدم الوطن وتدعم مسيرة التنمية.

وفي الكويت، حيث يشكّل الشباب شريحة مهمة من المجتمع، تبرز الحاجة إلى الانتقال من الحديث المتكرر عن قدراتهم إلى صناعة المسارات التي تُظهر هذه القدرات على أرض الواقع. فكم من شاب يمتلك روح المبادرة، والقيادة، والقدرة على الإنجاز، لكنه لم يجد المنصة التي تمنحه الفرصة المناسبة؟ وكم من مواهب عظيمة بقيت حبيسة الانتظار، لأنها لم تجد من يوجّهها أو يستثمرها بالشكل الصحيح؟

Ad

من هنا، يصبح تنظيم التطوع فرصة وطنية لا تُقدَّر بثمن. لأنه لا يمنح الشباب دورًا هامشيًا، بل يفتح لهم أبواب المشاركة الحقيقية في خدمة المجتمع والوطن. فالمتطوع لا يقدّم وقتًا فقط، بل يقدّم فكرًا، وجهدًا، وحلولًا، وروحًا إيجابية تنعكس على محيطه، وتُسهم في صناعة بيئة أكثر تعاونًا وتماسكًا.

إن التطوع المنظم يصنع من الشاب عضوًا فاعلًا بدل أن يكون متفرجًا، ويمنحه تجربة عملية في القيادة، والعمل الجماعي، والانضباط، وتحمُّل المسؤولية، وهي مهارات قد لا تمنحها القاعات الدراسية وحدها. كما أنه يزرع فيه قيمًا وطنية عميقة، مثل التعاون، والتكاتف، واحترام العمل العام، والشعور بأن نهضة الوطن مسؤولية مشتركة لا تقع على جهة واحدة.

ولعل العالم اليوم بات أكثر وعيًا بهذه الحقيقة، إذ أعلنت الأمم المتحدة عام 2026 السنة الدولية للمتطوعين من أجل التنمية المستدامة، احتفاءً بدور التطوع كمحرّك مؤثر لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتعزيزًا لروح المبادرة وصناعة الأثر. وهذه رسالة عالمية واضحة مفادها أن التطوع لم يعد نشاطًا ثانويًا، بل عنصرًا أساسيًا في بناء المجتمعات الحديثة وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات.

وفي هذا السياق، تمتلك الكويت فرصة مهمة لتطوير منظومة وطنية للتطوع، تقوم على التدريب والتأهيل، وربط الفرص بالمهارات، وتوثيق الجهود، وصناعة مسارات قيادية للشباب المتميزين، مع بناء شراكات فعالة بين الجهات الحكومية والأهلية والقطاع الخاص. فالمجتمعات لا تتقدم فقط بما تملكه من موارد مالية، بل بما تُحسن اكتشافه من موارد بشرية.

كما أن تنظيم التطوع يسهم في توجيه طاقات الشباب إلى مسارات نافعة، ويمنحهم شعورًا بالإنجاز والانتماء، ويُبعدهم عن الفراغ الذي قد يستهلك الطاقات ويبدد الإمكانات. فحين يجد الشاب مجالًا يخدم فيه وطنه، يشعر بأنه جزء من حاضره ومستقبله.

في ميزان المعنى:

إن كثيرًا من الشباب لا يحتاجون إلى من يعظهم بقدر ما يحتاجون إلى من يثق بهم، ويمنحهم فرصة حقيقية ليُثبتوا ما لديهم، فحين يُنظَّم التطوع جيدًا، لا نخدم المجتمع فقط... بل نظهر قوته الكامنة.

ويبقى السؤال الأهم: هل ننظر إلى الشباب كفئة تحتاج الدعم، أم كقوة تنتظر الاكتشاف؟