أقامت رابطة الأدباء الكويتيين جلسة حوارية افتراضية بعنوان: «نحن والحرب... مَنْ يكتب الآخر؟»، أدارتها رئيسة اللجنة الاجتماعية لوجين النشوان، واستضافت خلالها الروائي سعود السنعوسي.
في البداية، قالت النشوان: «وجدت نفسي أمام روائيٍ قدم الكويت ليس كظرفٍ زماني أو مكاني، بل قدمها وطناً ينبض على خريطة قُدمت للقارئ العربي وغير العربي. يناقش الصراعات الإنسانية بتفاصيل كويتية من شوارع، وهموم شخصيات، وغيرها الكثير من الأمور»، ليأتي بعدها سؤالها له: هل دور الأدب هو التوثيق البحت أم إعادة صياغة حدث وتجربة إنسانية؟
فأجاب السنعوسي: «يحتمل الأدب كلاهما، لكن أتصوَّر أن التوثيق- شئنا أم أبينا- موجود في العمل الروائي، إما بشكلٍ متعمَّد حين يكون الروائي واعياً أثناء الكتابة بأن الخيال والقصص المتخيلة التي يكتبها جزء توثيقي، أو ألا تكون فكرة التوثيق موجودة أساساً في رأس الروائي، لكنها ستظهر بشكلٍ أو بآخر، مثلاً إذا أردتُ اليوم كتابة رواية أحداثها في عام 2026، فالرواية في هذا العام يكون لها اشتراطاتها، ولا أستطيع التملُّص في المُطلق من توثيق اللحظة الراهنة التي تدور خلالها الأحداث. لقد حاولت في (حمام الدار) كتابة رواية متحررة من الزمان والمكان، لكن عموماً لا تستطيع التحرُّر بشكلٍ مطلق من فكرة التوثيق».
القارئ شريك ورقيب
وعمَّا إذا كانت مُعاصرة الكاتب حدثاً أو حرباً أو كارثة معينة تُغريه بفكرة يتحدَّث عنها، حتى لو لم يكن ذلك في العادة مجال كتابته، قال السنعوسي: «يعتمد ذلك على الكاتب، فهناك مَنْ يغريه للكتابة عن حدثٍ عايشه، وهناك مَنْ لا يهتم، وأنا لا أستطيع الإجابة عن الكاتب بشكلٍ عام».
وحول الأحداث الراهنة، وما إذا كانت تدفعه للكتابة عنها، أوضح: «أحتاج إلى مساحةٍ زمنية حتى أتمكَّن من النظر إلى الوراء وفهم هذه المرحلة قبل الكتابة عنها، لكن لدي عملاً بدأت به منذ أكثر من عام، وقطعت فيه شوطاً ثم توقفت، تدور أحداثه في أجواء حرب. واليوم أرى بعض معطيات هذا العمل تتحقق على أرض الواقع، وهو ما حفَّزني للعودة إلى ذلك المخطوط غير المكتمل».
وفي سياق تساؤل طرحته النشوان حول اختلاف الأجيال، إذ كان الإنسان في الماضي يُواكب حدثاً واحداً أو يسمع عنه، فيما يعيش الجيل الحالي أزمات متعددة تمنح الكاتب خيالاً أوسع للكتابة، لكنه في المقابل يضعه أمام شهود عيان كثيرين عاشوا تلك الوقائع، وبالتالي يخضع نصّه لرقابة وتمثيله للحقيقة، ليجيب السنعوسي: «ذلك لا يمنعني، فحين أكتب عملاً يستند إلى واقعٍ أو يتضمَّن بُعداً تاريخياً، أرى في هذا الضغط مدعاةً للالتزام بالدقة، وتجنباً للوقوع في أخطاء تاريخية. فكرة أن هناك قارئاً يُحاسب أفضلها على القارئ السلبي، فأنا أُريد من القارئ أن يكون شريكاً، وليكن رقيباً في مسألة الخطأ».
حكاية متكاملة
وخلال الجلسة، استفسرت النشوان عن قُدرة الأدب على التعبير عمَّا تعجز نشرات الأخبار عن نقله، فعلَّق السنعوسي: «بالطبع، الأدب أقدر على ذلك، فنشرات الأخبار تنقل في نهاية المطاف أرقاماً ووقائع، فيما يمنحك الأدب، والرواية تحديداً، حكايةً متكاملة تعيش فيها مع الشخصيات، وتُلامسها عاطفياً. العمل الروائي يقدِّم عُمقاً وتجربة إنسانية أوسع بكثير مما يقدِّمه خبرٌ عابر، غير أن ميزة الخبر هي السبق اللحظي».
وعن الأديب الذي يراه الأكثر إخلاصاً في تناول ثيمة الحرب بالأدب الكويتي، قال: «الأديب إسماعيل فهد إسماعيل»، مبيناً أن كثيراً من الأدباء تناولوا ثيمة الحرب في أعمالهم، إلا أن تجربة إسماعيل تظل مُغايرة في هذا السياق، ومنها سباعية «إحداثيات زمن العزلة»، لافتاً إلى أنه أكثر مَنْ أخلص لثيمة الغزو.
وذكر أن الأديبة ليلى العثمان أيضاً كتبت مجموعة قصصية عن الغزو بعنوان: «الحواجز السوداء»، لافتاً إلى أنها استغرقت عشر سنوات حتى تستطيع التعبير عن معايشتها للاحتلال في كتاب «يوميات الصبر والمر».
ثيمة الحرب
من جانب آخر، أوضح السنعوسي أن ثيمة الحرب حضرت في عددٍ من أعماله بوصفها خلفيةً للأحداث، كما في رواية «ناقة صالحة» عبر معركة الصريف، وفي «أسفار مدينة الطين» من خلال معركة الجهراء. أما في «فئران أمي حصة»، فقد حضرت الحرب بصورتين: حرب الغزو، والحرب المتخيّلة.
وبيَّن أنه لا يستطيع فصل رواية «فئران أمي حصة» عن فكرة الغزو أو الحرب، لافتاً إلى أنه اختار الطفل لينقل حدث الغزو لسببين: أن الطفل كان ينقل الحدث بلا فهم، ويترك الاستيعاب للقارئ. والسبب الآخر أن توظيف صوت الطفل يمنح مساحةً سرديةً غير مطروحة بكثرة في الأدب.