وقف المواطن «كاف» أمام الكاميرا، يبتسم كالمشدوه، حين قال له المخرج:

«لا تبتسم، لو تكرمت. أنت أصلاً ما عندك ضروس».

Ad

فأغلق «كاف» فمه، واكتفى بابتسامة خجولة لم يستطع محوها.

فاليوم، «كاف» مدعو للمشاركة بدورٍ بطولي في فيلم إعلانيٍ وطني، يتمتع بوسائل إنتاج ضخمة نتيجة حملة واسعة جمعت تبرعات مالية سخية من جميع أعيان البلد. قال له المخرج:

«انتظر الإشارة مني، ثم ادخل المشهد وتوجه صوب البيت، وافعل ما قلت لك».

 هزّ «كاف» رأسه، فهو حافظٌ دوره عن ظهر قلب، وهو يعلم أن البيت بابه مخلوع، وأن البيت وطن وبابه وحدة أهله. ورسالة الفيلم أن يدخل البطل حاملاً بيده درنفيساً أزرق، ثم يثبّت براغي الباب ويعيده إلى وضعه المستقيم. وكان «كاف» يعي أيضاً أن فعل «شدّ البراغي» واجب وطني نابع عن الحب. ولكم أن تتخيّلوا مقدار الفخر الذي كان يملأ صدر «كاف» في تلك اللحظة.

ثم صاح المخرج:

«أكشن!»

وبدأ المشهد. وفجأة انفجر البيت، وطارت شبابيكه، وسقط سقفه، وانهارت جدرانه، ولم يبقَ منه سوى الباب المخلوع. عندها أشار المخرج إلى «كاف» أن يدخل. فتقدّم نحو الباب، وأخذ الدرنفيس الأزرق، وبدأ يثبت البراغي بكل ما أوتي من قوة، حتى استقام الباب منتصباً. وما أن استقام، حتى بدأت زهور العرفج الصفراء تتساقط من كل صوب، وراح الحمام الأبيض يحلّق في كل اتجاه.

هنا — رغماً عنه — ابتسم «كاف» ابتسامة عريضة، وكشف فمه الخالي من الأسنان.

فصرخ المخرج:

«كات!»

ودار بينهما الحوار التالي:

المخرج: ألم أحذّرك من الابتسامة؟

كاف: نعم، ولكن العرفج والحمام يفرحان قلبي...

المخرج: ولك وجه تبتسم به أصلاً؟

كاف: أسناني ذهبت فداءً للحب.

المخرج: حبتك القرادة إنشالله.

كاف: سؤال لو سمحت، مخرجنا.

المخرج: آخر سؤال!

كاف: لماذا فجّرتم البيت؟

المخرج: ليَنهار.

كاف: ولماذا ينهار؟

المخرج: ليفهم المشاهد رمزية الباب طبعاً.

كاف: أليس البيت وطناً؟

المخرج: وما هو الباب إذاً يا أبله؟ 

كاف: كيف يكون للباب رمزية من دون البيت الذي...

المخرج: آتوني بكومبارس آخر. واحد يفهم، وعنده أسنان على الأقل!

 وهنا دمعت عينا «كاف». حاول أن يمسح دموعه، لكنه لم يكن قد اعتاد بعد على أصابعه الصناعية الجديدة — وهي من ابتكار الجرّاح الفذ: جلدها عربي، وذكاؤها من صُنع الكيان - فلم يستطع أن يهتدي إلى الدمعة وهي تسيل على خده.

وبينما كان جيش الإنتاج منهمكاً في إعادة ترميم البيت، وجمع الحمام، والبحث عن كومبارس آخر، ظلّ «كاف» وحده، يبكي محتاراً.