متى تتحول الحماية من وسيلة دعم إلى سبب جديد للضعف؟ هذا هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم، ليس فقط على مستوى المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بل أيضاً على مستوى الصناعة والزراعة، فالكويت، مثل كثير من الدول، لم تتعامل مع هذه القطاعات بوصفها مجرد أنشطة اقتصادية، بل بوصفها قطاعات تستحق معاملة خاصة، وحدوداً خاصة، وأحياناً جدراناً خاصة، والنية هنا مفهومة، فهذه قطاعات حساسة، وبعضها ناشئ، وبعضها يواجه ظروفاً تشغيلية أصعب من غيره، لكن المشكلة في الاقتصاد لا تُقاس بالنوايا، بل بالنتائج.
الحماية كفكرة... ليست المشكلة
على مدى سنوات، بدا وكأن الفكرة الحاكمة لكثير من السياسات هي أن هذه القطاعات تحتاج إلى قدر من العزل حتى تتماسك، أن تُحمى من ضغط السوق، أو من حرية حركة بعض عناصره، أو من المنافسة غير المتكافئة، أو من اختلالات بيئة الأعمال العامة، وفي أحيان كثيرة، كان هذا الطرح يبدو منطقياً على الورق، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل هذه السنوات هو: هل صنعت هذه الحماية قطاعات أقوى فعلاً؟ أم أنها صنعت قطاعات أكثر اعتماداً على الحماية نفسها؟
الأصل أن الحماية الاقتصادية ليست خطأ بحد ذاتها، حتى الاقتصادات الكبرى مارست، في مراحل مختلفة، أشكالاً من الحماية الذكية لبعض القطاعات، خصوصاً حين تكون في طور التأسيس أو في مواجهة تحولات كبيرة، لكن الحماية، لكي تكون مفيدة، تحتاج إلى شروط واضحة، كأن تكون محددة الهدف، ومحدودة الزمن، ومرتبطة ببناء قدرة حقيقية، أما حين تتحول إلى وضع دائم، فإنها لا تعود حماية بالمعنى التنموي، بل تصبح طريقة مؤجلة لمواجهة المشكلة.
إذا ارتفعت الجدران أكثر من اللازم
وهنا يظهر السؤال الأهم: إذا كان الجدار مفيداً أحياناً، فكم يجب أن يرتفع؟ وإلى متى ينبغي أن يبقى؟ لأن الجدار الاقتصادي، مثل أي جدار آخر، قد يمنح شعوراً بالأمان في البداية، لكنه إذا ارتفع أكثر من اللازم، أو طال بقاؤه أكثر مما ينبغي، فإنه لا يحمي فقط، بل يعزل أيضاً، يعزل القطاع عن الاختبار، وعن التعلم، وعن ضغط التطوير، وعن الحاجة الحقيقية إلى رفع الكفاءة، ومع الوقت، يتحول القطاع من كيان يُفترَض أن يشتد عوده داخل السوق، إلى كيان يتكيف مع الحماية أكثر مما يتكيف مع الواقع.
المشروعات الصغيرة والمتوسطة... المثال الأوضح
في المشروعات الصغيرة والمتوسطة، تظهر هذه المشكلة بوضوح أكبر من غيرها، فهذا القطاع يُفترَض، بطبيعته، أن يكون الأكثر مرونة، والأسرع تعلماً، والأقرب إلى الابتكار، لكنه يتحول أحياناً، تحت مظلة الدعم غير المصمم جيداً، إلى قطاع ينتظر الاستثناء أكثر مما يبني القدرة، ويبحث عن المساحة المحمية أكثر مما يطور نموذجه التشغيلي، وهنا تصبح المفارقة واضحة، المشروع الصغير لا يفشل لأنه صغير، بل يفشل لأنه تعوّد على بيئة لا تطلب منه أن ينضج بالسرعة التي يفرضها السوق.
الصناعة... البقاء لا يكفي
وفي الصناعة، تتخذ المشكلة شكلاً آخر، فالصناعة لا تقوى بالحماية وحدها، بل بالإنتاجية، وبالقدرة على التوسع، وبكفاءة التشغيل، وبالاستثمار في التكنولوجيا، وبالنفاذ إلى الأسواق، فإذا كانت السياسات تُخفف الضغط عن القطاع من دون أن تدفعه في الوقت نفسه إلى التطور، فإن النتيجة قد تكون صناعة موجودة، لكنها ضعيفة العائد، صناعة تبقى، لكنها لا تتقدم، تعمل، لكنها لا تنافس بما يكفي.
الزراعة... الاستثناء لا يعالج الهشاشة
أما الزراعة، فهي ربما المثال الأكثر حساسية، لأن الجميع يتفق، من حيث المبدأ، على أهميتها، سواء من زاوية الأمن الغذائي أو الاستقرار الاجتماعي أو التنويع الاقتصادي، لكن هذا الاتفاق لا يكفي، فالزراعة لا تُبنى فقط بالإعفاءات أو الاستثناءات أو الحماية الإدارية، بل تُبنى أيضاً بحل الأسئلة الأصعب، التكنولوجيا، والمياه، والإنتاجية، وسلاسل الإمداد، وجدوى التوسع، وإذا لم تُعالج هذه الأسئلة، فقد تبدو الحماية وكأنها إنقاذ للقطاع، بينما هي في الحقيقة مجرد تأجيل لمواجهة هشاشته.
حين تنتج السياسات اقتصاديات رديفة
المشكلة الأعمق أن السياسات التي تبالغ في الحماية لا تصنع بالضرورة اقتصاداً أكثر انتظاماً، بل قد تصنع شيئاً آخر، اقتصاديات رديفة، فعندما تصبح القواعد أشد صلابة من حاجة السوق، يبدأ السوق في اختراع طرقه الخاصة، فتظهر الترتيبات الجانبية، وتتوسع المساحات الرمادية، وتُبنى نماذج تشغيل هدفها التكيف مع القيود لا التكيف مع الفرص، وعندها لا يعود النشاط الاقتصادي يعمل داخل النظام كما يُفترَض، بل حوله، وهذا ليس فشلاً للقطاع وحده، بل فشل لفلسفة الحماية نفسها حين تنفصل عن واقع السوق.
من تجربة الصندوق الوطني... هل بدأنا من المكان الصحيح؟
ومن تجربتي الشخصية في السنوات الأربع المرتبطة بالصندوق الوطني لدعم وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ثلاث منها كمستشار للوزير وسنة كمدير عام قبل أن تأتي جائحة كورونا وتقطع كثيراً من المسارات، أجد أن السؤال الذي يلح علي اليوم ليس: هل قدمنا دعماً كافياً؟ بل: هل بدأنا من المكان الصحيح أصلاً؟ هل كانت فلسفة الدعم واضحة؟ هل كنا نريد بناء قطاع منتج ومنافس فعلاً؟ أم كنا، من حيث لا نقصد، نبني منظومة حماية حوله، ثم نأمل أن تتحول هذه الحماية وحدها إلى قوة؟
الدعم الحقيقي لا يعني العزل
ربما كانت المشكلة، منذ البداية، في تعريف معنى الدعم، فقد تعاملنا معه أحياناً على أنه تخصيص، أو استثناء، أو تقييد، أو مساحة معزولة عن السوق، بينما كان يمكن أن يعني شيئاً مختلفاً تماماً، يمتاز بمرونة أكبر، وضوحاً تنظيمياً أعلى، انخفاضاً في تكلفة التشغيل، سهولة في الوصول إلى الموارد، وربطاً للدعم بالإنتاجية والقدرة على النمو، لا بمجرد الانتماء إلى قطاع معين، فالدعم الحقيقي لا يعفي القطاع من اختبار السوق، بل يجعله أقدر على خوضه.
حين يبدأ الاقتصاد في البحث عن مرونة أكبر
ولعل هذا هو المعنى الأهم الذي يمكن قراءته في القرارات الأخيرة، سواء تلك التي اتجهت إلى زيادة المرونة في القطاع المصرفي لدعم النشاط الاقتصادي، أو تلك التي خففت بعض القيود في سوق العمل، فحين يضيق الاقتصاد، لا يبحث عن مزيد من الجمود، بل عن مرونة أكبر.
الخلاصة: المطلوب بناء القدرة لا تمديد الحماية
إذا أردنا أن نختبر الفكرة كلها في مثال واحد، فالمشروعات الصغيرة والمتوسطة تبقى أوضح مرآة، فهذا القطاع، أكثر من غيره، يكشف الفرق بين الدعم الذي يبني، والدعم الذي يُعلّق، فإذا انتهى إلى انتظار الحماية أكثر من بناء القدرة، فالمشكلة لا تكون في المشروع الصغير وحده، بل في الفلسفة التي أحاطت به، والتحدي الحقيقي اليوم، في هذا القطاع كما في غيره، ليس كيف نحيطه بمزيد من الجدران، بل كيف نبنيه بحيث لا ينهار عندما تبدأ هذه الجدران في التراجع.
* الشريك المدير - دوتسلينك للاستشارات