لفت نظري أخيراً عودة ظاهرة التسوُّل بشكلٍ لافت في الكويت، لكن هذه المرة بحلّة «موديرن» تجعل المرء في حيرةٍ من أمره.
الظاهرة تبدو غريبة، لكنها مزعجة ومريبة، فهي سلوك غير حضاري في بلد مؤسسات يضم مئات المراكز الإنسانية واللجان الخيرية الرسمية التي تمد يد العون لكل محتاج. لكن يبدو أن هؤلاء لا يُحبون أن يطرقوا تلك الأبواب، لأنهم ببساطة اتخذوا من التسوُّل «مهنةً» مربحة.
روت لي صديقة أجنبية مقيمة حادثة غريبة وقعت لها في مواقف أحد مراكز التسوق المركزية (الجمعية)، حيث استوقفتها مركبة بلوحات خليجية بداخلها عائلة. طلب رب الأسرة «مساعدة» لشراء مستلزمات الطريق، مدعياً نفاد أمواله. وبدافع الإنسانية، منحتهم 30 ديناراً مع سلة أغراض متكاملة.
الموقف ذاته تكرَّر مع شقيقتي عند «مول الأندلس» في حولي، حيث استوقفتها امرأة تطلب بضعة دنانير لسيارة الأجرة، بدعوى ضياع محفظتها!
المفاجأة كانت عندما كُنت أتابع الأخبار عبر منصة «X»، حيث مررت بجانب مئات من القصص المشابهة لسيارات خليجية ومحلية تمارس نفس «السيناريو» بمناطق مختلفة في البلاد! وحتى بعضهم في دول خليجية أثبتوا نفس القصص، وهذا ما أثار قلقي واستغرابي.
إن ما يُثير القلق، خصوصاً في هذا الوقت الصعب وما تمرُّ به المنطقة من عدم استقرار، هو غياب الشفافية حول مَنْ يقف خلف هذه المجموعات، ومن تمول، وكم ساعة تقف، وكيف يتم توزيعهم؟!
تشير التقارير الأمنية عالمياً إلى أن «التسوُّل المنظم» غالباً ما تُديره عصابات دولية تستغل عواطف الشعوب المعطاءة لتمويل أنشطة مشبوهة أو غسل أموال، بعيداً عن أعين الرقابة المالية. هؤلاء يبتكرون أساليب «ذكية» لتجنب الوقوف «المعتاد والتقليدي» عند المساجد، فينتقلون للمواقف والمولات للتمويه.
الظاهرة أصبحت «واضحة»، وتتطلب انتباهاً.
جهود وزارة الداخلية مقدَّرة جداً في ملاحقة هؤلاء لحفظ أمن المجتمع واستقراره. الشعب الكويتي جُبل على العطاء وحُب الخير، لكن من الواجب اليوم توجيه هذا الخير عبر القنوات الرسمية المعتمدة، لضمان وصوله إلى مستحقيه فعلاً، ولنقطع الطريق على مَنْ يحاول استغلال طيبتنا لأهدافٍ مجهولة ومريبة.
بالقلم الأحمر: الحذر واجب.