يعد مصطلح «الاستخلاج» مفهوماً نقدياً وسوسيولوجياً برز في الخطاب الثقافي الخليجي لوصف حالة من «الاستشراق الداخلي» داخل المنظومة العربية، واشتهر هذا المصطلح عام 1994م بواسطة الكاتب العُماني سليمان المعمري الذي استفاض في الكتابة عنه، وقد جاء المصطلح على غرار مصطلح الاستشراق، وهو اشتقاق لغوي يربط الفعل بالخليج كمنطقة جغرافية وهويّة.

ويشير الاستخلاج إلى النظرة الدونية أو النمطية التي يمارسها بعض المثقفين العرب وحتى العامة تجاه الإنسان الخليجي الذي اختزلت هويته في قوالب نمطية ضيقة، كالثراء الفاحش وغياب العمق الثقافي والسطحية في أغلب المجالات، وقد ساهمت كتابات سليمان المعمري في نقل الاستخلاج من دائرة المقال العابر إلى مساحات أوسع للنقاش الثقافي المستمر عبر الكتابة المستمرة لعدة سنوات، وسرد تجلياتها في المشهد الثقافي العربي.

كما أنه جعل من ذلك المصطلح أداة نقدية في تفكيك الخطاب العربي المتشرب من فكرة «المراكز والهوامش» الاستعلائية، والتي بقيت رغم كل التحولات التعليمية والتنموية والثقافية في منطقة الخليج تحاول تهميش منجزاتها الثقافية وحصرها في المجال الاقتصادي فقط! وكان ممن وقعوا في فخ «الاستخلاج»، كما رأى المعمري، بعض كبار المفكرين العرب، مثل إدوارد سعيد صاحب كتاب «الاستشراق»، عندما استخدم لغة التعميم ضد الخليجيين والجزيرة العربية، التي صورها ككتلة صماء تابعة للمعسكر الغربي دون مراعاة لخصوصيتها الثقافية والإسهامات الفكرية لأبنائها.

Ad

وفي الكثير من المحطات والأحداث التي مرت على المنطقة العربية خاصة بعد كارثة الغزو العراقي لدولة الكويت، ثبت لي أن الاستخلاج والنظرة من بعض العرب ليست قراءة متسرعة أو مجرد سوء تفاهم بل هي منظومة من أحكام مسبقة لا ترى في الخليج سوى مستهلك أو ممول لما تنتجه عواصم المراكز الثقافية، واعتبار النصوص الأدبية القادمة من أدباء تلك المنطقة هي مصنوعة بالمال وليست حالة إبداع حقيقي، ولقد ارتكب بعض الخليجيين لزمن طويل خطأً كبيراً في الاعتقاد بأن نيلهم للمشروعية الثقافية يتم من خلال اعتراف المراكز بإبداعهم حتى اكتشفوا أن الدنيا واسعة وترحب بالمبدعين من أي مكان.

في الختام، الاستخلاج بنظري ليس سوى ردة فعل لواقع أعيد تشكيله بمعطيات جديدة، بعد أن كان صرخة ثقافية ترفض الوصاية أو التنميط، وتهدف إلى تحقيق «توازن معرفي» في العلاقات الثقافية العربية - العربية، واليوم تساهم الكثير من الدول الخليجية في صنع نماذجها المميزة في المشهد الثقافي، عبر تنفيذ العديد من المشروعات والمؤسسات الثقافية واحتضان المبدعين من جميع أرجاء العالم.