لم يعد تنظيم التجارة الرقمية مجرَّد استجابة تشريعية لواقعٍ تقنيٍ متغيِّر، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة النظام القانوني على فهم اقتصادٍ جديد لا يعترف بالحدود التقليدية. فالتجارة الرقمية لم تعد وسيلة تعاقد فحسب، بل تحوَّلت إلى بنيةٍ اقتصادية بذاتها، وتمتد آثارها إلى نطاق الحُريات الاقتصادية وحدود التدخل العام.

وعليه جاء مرسوم تنظيم العمل بقطاع التجارة الرقمية في الكويت ليؤسس إطاراً قانونياً متقدماً لهذا القطاع.

وتكشف القراءة لهذا القانون عن أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التنظيم، بل في طبيعته وحدوده وفلسفته.

Ad

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل لدينا قانون؟ بل: هل لدينا فلسفة قانونية قادرة على استيعاب هذا التحوُّل؟

اتساع المفهوم: مرونة أم غموض؟

اعتمد القانون الكويتي تعريفاً واسعاً للتجارة الرقمية يشمل مختلف صور النشاط الإلكتروني، وهو توجه يُظهر مرونة تشريعية تتماشى مع الطبيعة المتغيرة لهذا المجال. غير أن هذا الاتساع، إذا لم يُضبط بمحددات دقيقة، قد يتحوَّل إلى مصدر غموضٍ قانوني، لا سيما في التمييز بين الفاعلين في البيئة الرقمية.

فالقانون لم يميز بوضوح بين التاجر الرقمي والمنصة ومزود الخدمة، وهو ما ينعكس على التكييف القانوني للعلاقة التعاقدية، ويؤدي إلى احتمال تضارب الاجتهادات القضائية مستقبلاً!

مسؤولية المنصات الرقمية: الفراغ التشريعي الأهم

تمثل مسؤولية المنصات الرقمية جوهر التنظيم القانوني للتجارة الإلكترونية. ومع ذلك، فإن القانون الكويتي لم يضع إطاراً صريحاً لها، واكتفى بفرض التزامات عامة من دون تحديد دقيق لمعيار المسؤولية.

«الفراغ في مسؤولية المنصات ليس تفصيلاً قانونياً، بل هو خلل في اليقين الذي يقوم عليه الاقتصاد الرقمي».

في المقابل، اعتمد القانون الفرنسي معياراً واضحاً يقوم على عدم مسؤولية المنصة إلا عند العلم بالمحتوى غير المشروع وعدم إزالته، وهو ما أكده القضاء الفرنسي في أحكام بارزة. أما النظام السعودي، فقد اتجه إلى تحميل التاجر المسؤولية المباشرة، مع فرض التزامات إفصاح صارمة، وهو ما يحقق حماية فعَّالة للمستهلك، وإن كان على حساب تحميل التاجر عبئاً تنظيمياً أكبر.

المؤثرون في الاقتصاد الرقمي: بين التنظيم الضمني والتنظيم الصريح

تُعد فئة «المؤثرين» من أبرز التحوُّلات في بنية السوق الرقمية، أصبح الفرد فاعلاً تسويقياً ومؤثراً في القرار الاستهلاكي، ووسيطاً اقتصادياً بين التاجر والمستهلك. ومع ذلك، القانون لم يتعامل معهم بشكلٍ مباشر، إذ لم يورد تعريفاً صريحاً للمؤثر، ولم يضع له إطاراً تنظيمياً مستقلاً، بل أخضع نشاطه ضمنياً للقواعد العامة المنظمة للإعلان والتجارة الإلكترونية. ما يعني عملياً وجود «اقتصاد إعلان موازٍ» داخل الاقتصاد المنظم، من دون إطارٍ قانوني مستقل يحكمه.

وفي المقارنة، يظهر الفارق عند النظر إلى التجربة السعودية، التي أطلقت منصة «موثوق» لتنظيم نشاط المؤثرين، حيث أصبح الإعلان عبر وسائل التواصل مرتبطاً بالتسجيل الرسمي، بما يعزز الشفافية، ويسهّل المساءلة.

حماية المستهلك: بين التنظيم العام والحماية الفعَّالة

يتضمَّن القانون الكويتي أدوات مهمة لحماية المستهلك، مثل: الفوترة الإلكترونية، وتنظيم الإعلانات، والإفصاح عن البيانات، خطوات تعزز الثقة في المعاملات الرقمية. غير أن هذه الحماية تظل في إطارٍ عام، ولا تصل إلى مستوى التفصيل الذي نجده في النظام السعودي، لا سيما بحق العدول وضمانات التعاقد.

الطابع الإداري للتنظيم وحدوده

القانون الكويتي يتسم بطابعٍ إداريٍ واضح، من خلال منح الجهات المختصة صلاحيات واسعة في التنظيم والإشراف، سواء عبر التراخيص أو اللوائح التنفيذية أو آليات الرقابة. وقد يكون هذا التوجه مفهوماً في مرحلة التأسيس، حين تسعى الدولة إلى ضبط سوق جديد وحماية المتعاملين فيه.

غير أن الإشكالية لا تكمن في وجود هذا الدور، بل في مداه واستمراريته. فالاقتصاد الرقمي لا يتحرَّك بمنطق السوق التقليدي، بل يقوم على السرعة والابتكار المستمر، والنماذج المتغيرة.

الخاتمة

إن القانون الكويتي للتجارة الرقمية يمثل خطوة متقدمة، لكنه لا يزال في طور التشكُّل، ويحتاج إلى تطويرٍ يعكس طبيعة الاقتصاد الرقمي، لا مجرَّد مظاهره. فالتشريع في العصر الرقمي لا يُقاس بحداثة نصوصه، بل بقدرته على إنتاج اليقين القانوني في بيئة سريعة التغيُّر. والقانون الذي لا يحسم موقعه من الاقتصاد الرقمي سيجد نفسه لاحقاً يُنظّم سوقاً لم يعد يتحكم فيه.

* أستاذ القانون الخاص بكلية الحقوق جامعة الكويت