بات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران على حافة اختبار حاسم، مع تصاعد مؤشرات التوتر وازدياد الضبابية التي تحيط بمصير المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد، وذلك في أعقاب خطوة نوعية تمثلت في احتجاز البحرية الأميركية سفينة شحن إيرانية، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ اندلاع الأزمة الأخيرة.
وفي حين بدأت الوفود الأميركية بالوصول إلى العاصمة الباكستانية، أبقت طهران الباب موارباً أمام احتمال المشاركة في جولة تفاوضية يُفترَض أن تُعقد اليوم، لتكون الثانية منذ إعلان وقف إطلاق النار. غير أن هذا الانفتاح الحذر يأتي قبل ساعات فقط من موعد انتهاء الهدنة غداً، في ظل غياب أي مؤشرات واضحة بشأن إمكان تمديدها أو انهيارها.
ورغم الإشارات الدبلوماسية التي توحي باستمرار المسار التفاوضي، رسم مصدر في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لـ«الجريدة» صورة أكثر تشاؤماً، مشيراً إلى أن طهران لا ترى جدوى من الانخراط في مفاوضات جديدة ما لم تُقْدم واشنطن على خطوات ملموسة، في مقدمتها فك الحصار البحري المفروض على موانئها.
واعتبر المصدر أن استمرار الولايات المتحدة في التمسك بشروط «غير منطقية»، وفق وصفه، من شأنه أن يغلق الطريق أمام أي حوار فعّال.
وكشف أن «الأعلى للأمن القومي» عقد اجتماعاً طارئاً، أمس الأول، في أعقاب استيلاء القوات الأميركية على سفينة الشحن الإيرانية «توسكا»، حيث تقرر التريث في إعطاء الموافقة النهائية على المشاركة في جولة ثانية من المفاوضات.
وشدد الاجتماع على أولوية رفع الحصار البحري، بالتوازي مع ضرورة تراجع إدارة الرئيس دونالد ترامب عن أربع نقاط أساسية ترفضها طهران بشكل قاطع.
وتتمثل هذه النقاط، بحسب المصدر، في إصرار واشنطن على إخراج اليورانيوم عالي التخصيب من إيران، وهو ما تعتبره طهران تراجعاً عن تفاهمات سابقة، كما تشمل إعادة طرح مطلب فرض قيود على الصواريخ الباليستية الإيرانية، المتوسطة والبعيدة المدى، وإخضاع هذا البرنامج لرقابة مستمرة، الأمر الذي ترفضه إيران بوصفه تدخلاً مباشراً في قدراتها الدفاعية.
أما النقطة الثالثة، فتتعلق بإصرار واشنطن على فصل الملفات الإقليمية، ولا سيما العلاقة بين إيران ولبنان، في حين ترى طهران أن هذه الملفات مترابطة ولا يمكن تجزئتها، في حين تتمثل الرابعة في مطالبة واشنطن بانخراط إيران في أي شكل من أشكال التفاوض مع إسرائيل، على غرار ما جرى في الساحتين السورية واللبنانية، وهو ما ترفضه طهران بشكل قاطع.
من جهة أخرى، قال المصدر إن «الأعلى للأمن القومي» أعطى الضوء الأخضر للحرس الثوري بالرد على أي تحرك جديد للقوات الأميركية ضد السفن الإيرانية بعد حادثة السفينة «توسكا».
المطالب الأربعة:
1- نقل اليورانيوم عالي التخصيب خارج إيران
2- فرض قيود على البرنامج الصاروخي البالستي
3- فصل الملفات الإقليمية لاسيما اللبناني
4- عقد مفاوضات بين إيران وإسرائيل
وفي تفاصيل الخبر:
تزايدت مخاوف من احتمال انهيار الهدنة السارية بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية، على وقع احتجاز البحرية الأميركية سفينة ترفع العلم الإيراني في خليج عمان، ليل الأحد - الاثنين، وإبلاغ الوسيط الباكستاني البيت الأبيض أن استمرار الحصار الذي يفرضه على الموانئ الإيرانية يعرقل المفاوضات بين واشنطن وطهران، الرامية للتوصل إلى اتفاق لتمديد وقف النار، الذي ينتهي بحلول غد الأربعاء، وإنهاء الحرب ووضع إطار لمعالجة الخلافات المتشعبة بينهما وفي مقدمتها الملف النووي.
ونشرت القيادة الوسطى الأميركية (سنتكوم) مقطع فيديو يصور عناصر من مشاة البحرية (المارينز) وهي تغادر سفينة هجوم برمائي بواسطة مروحيات، للتحليق فوق بحر العرب، قبل تنفيذ عملية الصعود والسيطرة على سفينة الشحن «توسكا».
وقالت «سنتكوم» إن المارينز هبطوا بالحبال على متن السفينة، بعد أن قامت مدمرة مزودة بصواريخ موجهة بتعطيل نظام الدفع الخاص بالسفينة، بعد «رفضها الامتثال لتحذيرات متكررة من القوات الأميركية على مدار 6 ساعات». من جهته، ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن السفينة التي تم السيطرة عليها بعد محاولتها تجاوز الحصار خاضعة لعقوبات من وزارة الخزانة الأميركية، بسبب «سجل سابق من الأنشطة غير القانونية»، ويبلغ طولها نحو 900 قدم، لافتا إلى أن القيادة العسكرية تجري حالياً التحقق من حمولتها.
وعيد وتأجيل
وعقب الحادث الأول من نوعه منذ بدء واشنطن فرض حصار على جميع موانئ إيران، التي تغلق من جهتها مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، توعدت السلطات الإيرانية بردّ قريب على ما وصفته بـ «القرصنة البحرية المسلحة»، وأطلقت جملة من التعليقات المتشددة والمشككة في إمكانية مشاركتها بجولة ثانية من المفاوضات مع الأميركيين، قبل ساعات من الموعد الذي حدده ترامب لوصول وفد بلده إلى إسلام آباد ليل الاثنين - الثلاثاء.
وأكد المتحدث باسم مقر «خاتم الأنبياء» إبراهيم ذو الفقاري أن طهران مستعدة لـ «مواجهة أميركا والتصعيد المناسب بعد العدوان على توسكا»، مضيفاً أن «تأخر الرد سببه وجود عائلات أفراد الطاقم على متن السفينة»، واتهم الولايات المتحدة بخرق اتفاق وقف النار، وذكر أن البحرية الإيرانية نفذت هجمات بطائرات مسيّرة على سفن حربية أميركية، مما أدى إلى تراجع القوات الأميركية.
تشكيك دبلوماسي
وبعد ساعات من بث وكالة إرنا الرسمية خبرا يفيد بأن إيران رفضت المشاركة في الجولة الثانية من محادثات السلام التي تدفع الأطراف الإقليمية والولايات المتحدة إلى عقدها لتفادي عودة الحرب، قال مسؤول إيراني كبير لـ «رويترز» إن طهران تبحث بجدية وإيجابية المشاركة في المحادثات المحتملة، لكنها لم تتخذ قراراً نهائياً بعد، مضيفا أن باكستان تبذل جهودا إيجابية لإنهاء الحصار البحري الأميركي لبلده وضمان مشاركتها في المحادثات.
ومع تباطؤ الحكومة الإيرانية في إعلان موقفها النهائي، أوضح المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي أن «طهران متمسكة بمواقفها المعقولة والمنصفة في المفاوضات، وأعلنت منذ البداية خطوطها الحمر والنقاط غير المقبولة بوضوح»، مضيفاً أن الإصرار على هذه النقاط «لن يغير من مواقفنا»، في إشارة إلى تأكيد ترامب أن الاتفاق المحتمل سيشمل وقف تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية، ونقل المخزون عالي التخصيب خارج طهران ضمن عدة نقاط أخرى في مقدمتها وقف تمويل الجماعات الإقليمية وتقليص برنامج التسلح البالستي.
وشدد على أن طهران «لا ترى أي جدية من الجانب الأميركي في المفاوضات»، زاعما أنها لم تتلق أي عرض لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
وفيما يتعلق باقتراب انتهاء الهدنة الممتدة لأسبوعين دون تحقيق تقدم بين طهران وواشنطن، شدد بقائي على أن إيران «لا تؤمن بمبدأ المهَل أو الإنذارات عندما يتعلق الأمر بحماية مصالحها الوطنية»، لافتا إلى أن بلده لم تبدأ الحرب وسترد بالشكل المناسب إذا أقدمت أميركا أو إسرائيل على أي «مغامرة جديدة».
ورأى أن عودة الحركة الملاحية إلى وضعها الطبيعي في هرمز «غير ممكنة حالياً»، معتبراً أن «تكرار خروق وقف النار والتهديدات الأميركية للموانئ والسفن الإيرانية جعلت المنطقة في حالة حرب بحكم الواقع».
وفي وقت سابق، حذر الرئيس مسعود بزشكيان، خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، من أن الحرب ليست في مصلحة أحد، وأنه «ينبغي اتباع كل مسار عقلاني ودبلوماسي لخفض التوترات»، مضيفا أن «الولايات المتحدة تخون الدبلوماسية»، وحذر أيضا من أن أي هجوم جديد محتمل على بلاده ستكون له تداعيات إقليمية وعالمية.
خلافات قاليباف
ووسط تسريبات عن خلافات محتدمة داخل أروقة النظام، وتشكل تيار معارض لتوجهات رئيس الوفد التفاوضي، الذي علمت «الجريدة»، من مصادر مطلعة، أنه يدفع لإبرام صفقة مع واشنطن، وخاصة بعد تصريحات أدلى بها وأقر خلالها بتفوق الولايات المتحدة وإسرائيل عسكرياً، شددت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني على أن «دعم فريقنا المفاوض مهم، لا سيما عندما يكون رئيس الوفد أحد قادة الميدان»، في إشارة إلى انتماء قاليباف لـ «الحرس الثوري» المتشدد.
جهد باكستاني
وفي حين كثفت إسلام آباد اتصالاتها بهدف استئناف المفاوضات التي يعول عليها البيت الأبيض للوصول إلى اتفاق، وتفادي العودة إلى إلقاء القنابل وتدمير محطات الطاقة والجسور بإيران، نقلت «رويترز» عن مصدر أمني باكستاني أن قائد الجيش عاصم منير أبلغ ترامب أن حصار موانئ إيران يعرقل المحادثات التي يتوسط بها بشكل مباشر مع المسؤولين الإيرانيين، مضيفا أن الرئيس الأميركي أخبره أنه سيأخذ نصيحته «بعين الاعتبار».
ورغم تضاؤل احتمالات التوصل إلى انفراجة، أفيد بهبوط طائرتين تقلان «الوفد التمهيدي» قادما من واشنطن، للمشاركة في الجولة الثانية بقاعدة نورخان العسكرية أمس.
شي وبن سلمان
على الصعيد الدولي، دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى ضمان استمرار الحركة الطبيعية عبر «هرمز»، خلال اتصال هاتفي أجراه مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
وأكد شي أن الصين تدعو إلى وقف فوري وشامل للنار، وتصر على حل النزاعات في الشرق الأوسط عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، فيما أعربت «الخارجية» الصينية عن قلقها إزاء احتجاز واشنطن السفينة الإيرانية، وحثت جميع الأطراف على استئناف محادثات السلام.
وفي موسكو، أعلن «الكرملين» أنه يأمل استمرار مفاوضات إيران لتجنب أي تداعيات سلبية على المنطقة والاقتصاد العالمي.