في البيئات التي يهيمن فيها رأي واحد، لا يُنظَر إلى الحديث في الشأن العام بوصفه ممارسة طبيعية، بل يُعامَل كمنطقة محظورة. لا يصبح الصمت هنا خياراً، بل أسلوب حياة، في حين تتحول اللغة إلى أداة حذرة، تلتف حول المعنى بدلاً من أن تواجهه. وعلى النقيض، شهدت مجتمعات أخرى تحولات عميقة جعلت النقاش العام أكثر انفتاحاً، لكن ليس بالضرورة أكثر عقلانية.
في كتابها «لا تتكلم عن السياسة»، تقدّم سارا لبرانو قراءة دقيقة لهذا التحول. فالعالم المعاصر، كما تصفه، لم يعُد ساحة حوار متّزن، بل فضاءً مشحوناً بالانفعال، يتغذى على العداء أكثر مما يستند إلى الحجّة. لم تعد المسألة تتعلق بتبادل الأفكار، بل بتفريغ نفسي وعدواني يجد في اللغة وسيلةً للتصعيد لا للفهم.
تذهب الكاتبة إلى أن الأفكار لا تنتصر لأنها الأفضل، بل لأنها الأكثر انتشاراً أو الأكثر دعماً من جماعات منظمة وقوية. بهذا المعنى، يفقد النقاش جوهره المعرفي، ويتحول إلى سباق نفوذ، حيث تُقاس القيمة بالانتشار لا بالبرهان.
وتستعيد في هذا السياق أطروحات هبرماس حول «الفضاء العام»، الذي لم يعد -كما كان يُفترض - مجالاً عقلانياً للنقاش، بل أصبح مشوّهاً بتأثيرات الإعلام والسوق. لم يعد الحوار يسعى إلى الوصول للحقيقة، بل إلى كسب الانتباه، أو تثبيت موقف مسبق.
الأخطر من ذلك أن القناعة لم تعد تُبنَى على الجدل الحر، بل على الانتماء. الهوية - بما تحمله من عصبية فردية وجماعية - صارت هي المرجع. وهكذا، يتراجع «سوق الأفكار» الذي يُفترَض أن تتصارع فيه الآراء بحريّة، ليحل محله فضاء مغلق، يُعاد فيه إنتاج الرأي ذاته، ويُقصى المختلف، أحياناً بالخوف، وأحياناً بالتشهير.
أما وسائل التواصل الاجتماعي، التي يُفترض أنها وسّعت هامش التعبير، فقد أثبتت - في كثير من الأحيان - أنها تعزز القناعات المسبقة بدلاً من أن تتحداها. فهي إما خاضعة لقيود خارجية، أو مصممة لتكرار ما نحب سماعه. وهكذا، بدلاً من أن تكون منصة للنقاش، تصبح مرآة للذات.
في ظل هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: أين الحقيقة؟ وهل لا يزال بالإمكان التعبير عن رأي مختلف دون أن يتحول ذلك إلى مخاطرة؟ هل ما زال هناك مجال حقيقي لتلاقي الأفكار وتصارعها بشكل حُر، أم أننا دخلنا مرحلة يُعاد فيها تدوير ما يُقال، فنردد أصداءه دون تمحيص؟
المسألة لم تعد في ما يُقال، بل في إمكانية قوله. وبين هذا وذاك، يتقلص المجال الذي كان يوماً ما يُفترض أنه مساحة للعقل، ليصبح ساحة للانفعال، أو صمتاً مريباً لا يُكسَر.