في كل مرة يُفاجئنا اللبنانيون، فمنذ سنين وهم يعيشون لحظة الوقوف بين نَفَسٍ وآخر، وكأنهم يقولون: «لنعش الآن، لأننا لا نعرف إن كُنا سنكون هنا بعد قليل»... هكذا قال الأخوان وهما يقفان على أنقاض البناية التي كانت يوماً بيتهما، حيث تحدَّثا مع والدتهما بالصوت والصورة، وردت عليهما ككل الأمهات اللاتي يُطمئن أبناءهن: «أنا بخير... إحنا بخير، ما تعتلوا هَم».

بعد لحظات جاءت الأخبار ومعها الصور، ومن بينها بيتهم بذاك المبنى، بل إنهم رأوا ما تبقَّى من بعض قطع منه متدلية من البلكونة. وهناك عند قلعة شقيف، تسلَّق شاب القلعة ومزَّق علم إسرائيل، ورماه في الوادي البعيد، ورفع مكانه العلم اللبناني. 

هذه ليست المرة الأولى، بل في كل حرب يتكرَّر المشهد، ربما بتفاصيل مختلفة وأسماء لشبابٍ آخرين، لكن المشهد هو هو، حيث يُفاجئنا اللبنانيون، نساءً، وشباباً، وأطفالاً، وشيوخاً، ورجالاً، ومقاتلين مقاومين مُحبين لأرضهم. وهناك وقفت فاطمة، العائدة بعد لحظات فقط من إعلان وقف إطلاق النار، لتُردِّد على الجنود الصهاينة المختبئين خلف الشجرة، أو هكذا بدا، تقول لهم: «ارحلوا، فهذه الأرض ليست لكم، وها قد عُدنا»، وتُعيدها، وتقترب بنظرات مليئة بفرح العودة. 

Ad

يُبهرك اللبنانيون، فما إن تتوقف مكنة الموت القادمة من السماء والبحر حتى تزدحم الطُّرقات «غير السالكة» إلى الضاحية والجنوب والبقاع وكل أرض استباحوها. تكتظ الشوارع، أو ما نجا منها من قصفهم، والأزقة والأوتوسترادات العريضة التي نالها نصيب من ذاك الدمار. ازدحمت الطُّرق بالنازحين في عرباتهم التي تكدَّست فوقها فرش الإسفنج، تلك التي أصبحت مرادفة للنزوح الدائم في لبنان.

الآلاف يتسابقون، ليحضنوا ما تبقَّى من منزلٍ أو محل أو مزرعة صغيرة، أو أو... ورغم أن التحذيرات مما تبقَّى من قنابل لم تنفجر أو حتى ألغام تزداد، فإن عشقهم أقوى من خوفهم. لم تُوقفهم الجسور المُحطَّمة، بل خاضوا في مياه الأنهر ومجاريها في مشهدٍ أعاد لنا ما رأيناه في عام 2006 هو هو، وهم أنفسهم ربما، بعد أن خسروا أفراداً آخرين من عائلتهم أو جيرانهم أو أصحابهم، يتدفقون من دون انتظار. لا دموع هنا إلا دموع فرح العودة وحزن على الذين رحلوا. فتيات يرفعن أيديهن بعلامات النصر، وأُخريات ينشدن الأغاني، وأطفال يبحثون بين ركام بيتهم عن أي بقايا لألعابهم وأشيائهم الحميمة. لا تُزعجهم زحمة السير واكتظاظ الطُّرقات، كعادتهم في أيامهم السابقة للحرب، بل يُردِّد بعضهم أنها أحلى زحمة، أو كما يقول اللبناني: «أحلى عجقة سير».

يُبهرك اللبنانيون بحُبهم للحياة وأرضهم، كما رأينا أهل غزة وفلسطين الماسكين على الجمر والموت، المتشبثين بتراب الأرض وملح بحرهم. 

وصل الجنوبيون، أو بعضهم، إلى قُراهم وبلداتهم قبل أن تخرج الميركافا الإسرائيلية. كانوا هم الممسكين بتراب الأرض أسرع من المُمسك على زرار الموت والدمار. طارد الأطفال الجنود الإسرائيليين الذين كانوا حتى قبل أقل من شهر يحلمون بالبقاء والعيش هنا على هذه الأرض جنوب الجنوب!

بقي على اللبنانيين الآن أن يدفنوا موتاهم. هناك فسحة، إلا أن المقابر أصابها ما أصابها من مجازر على اتساع وطن. قال الأخوان: «سندفن أمنا وأخانا هنا في بيروت، حتى نستطيع نقلهما إلى مقابرنا في النبطية جنوباً». 

كم محزن ألا يجد الشهيد حُفرة في أرضه وحفنة من تراب فوقه! 

تساقطت الوجوه والأسماء الآن. هناك فسحة، أو بعض فسحة، للبكاء على مَنْ رحلوا هنا وهناك، وفي كل بقعة من تلك الأرض... أطفال، ونساء شاعرات، وفنانون، وكُتاب، وصحافيون، ومهندسون، وأطباء، ومسعفون، وكثيرون غيرهم. الآن يستطيع اللبنانيون أن يتنفسوا قليلاً بعيداً عن رائحة الموت، ويقوموا بطقوس الحُب للأرض والإنسان الذي دافع عنها. وبانتظار جولة أخرى من حرب الإبادة، ستفتح بيروت، بل كل لبنان، أذرعها للقادمين بقلوبهم، الباحثين عن معنى العيش بكرامةٍ وعزة.

وكأنهم يرددون ما قاله درويش: «إنهم يُحبون الحياة أيضاً». نعم، هم مَن يُحب ويعرف معنى الحياة.

* يُنَشر بالتزامن مع الشروق المصرية