"كاوبوي في الدبدبة" اسم لمسرحية كويتية كوميدية قديمة، وقفز اسم المسرحية إلى ذهني الأسبوع الماضي بعد مطالعة كثير مما نشره بعض الكُتّاب والمدونين في وسائل التواصل وفي الواتساب وغيرها، مستبقين أحكام القضاء في إحدى القضايا المعروضة حالياً.

قصص الكاوبوي كثيرة، ولعل أشهرها الذي تم إنتاجه عدة مرات في السينما الأميركية عن قصة جريمة قتل بشعة لفتاة بيضاء تمت في إحدى قرى الغرب الأميركي، وتشير أدلة الاتهام إلى شاب زنجي، فيقبض الشريف الذي يمثل الحكومة في هذه القرية على الشاب الزنجي تمهيداً لمحاكمته، ويتم انتظار حضور القاضي المختص إلى القرية، ولكن أهل القرية لم يطيقوا الانتظار فحاصروا مكتب الشريف وطالبوا بتسليمهم الشاب الزنجي المحبوس ليقوموا بشنقه بأنفسهم، وهنا يبرز دور الشريف الذي قام بتحصين مكتبه وتسليح مساعديه وهدد بقتل كل مَن يقتحم المكتب.

وبعد أيام قليلة يصل القاضي وتظهر الحقيقة ويُقبض على القاتل الحقيقي وتتم تبرئة الشاب الزنجي. 

Ad

هذه القصة لها رمزية كبيرة أخذت بها جميع الدساتير في العالم فنصت على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وهو أصل سبقت به الشريعة الإسلامية الجميع بالنص على أن البيِّنة على مَن ادعى، وأنه لا يجوز أخذ الحقوق إلا عن طريق التقاضي مهما كانت الجريمة بشعة، كما نص عليه الدستور الكويتي في المادة 34 (المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية توفر له فيها كل الضمانات الضرورية لحق الدفاع، ويحظر إيذاء المتهم جسمانياً أو معنوياً).

جميع هذا الضمانات تؤدي إلى تحقيق العدالة بالأدلة والضمانات الضرورية التي تحفظ المجتمع وتحول دون وقوع الفوضى أو أخذ الحقوق باليد أو الإيذاء بالإساءة المعلنة للمتهمين، التي قد تتعدى هذه الإساءة شخوصهم بالتعميم والإهانة فتصل إلى أهلهم وقبائلهم وطوائفهم وتؤدي إلى وقوع الفتنة في البلاد التي تمثل الفتاة الجميلة.

ولكن بعض الكُتاب في وسائل التواصل لم يستطيعوا الانتظار بسبب بشاعة الجريمة وخوفهم على البلاد خصوصاً بعد إعلان الاتهامات التي تمس أمن البلاد، فأصبحوا من خلال كتاباتهم وكأنهم هم القضاة وهم الجلادون أيضاً، فخالفوا القانون وحكموا وهم ليسوا مختصين ولا مخولين.

تعلمنا في اللجان القانونية في مجلس الأمة والحكومة أن أي جريمة يجب أن يكون لها ركنان (مادي ومعنوي)، وأن الجرائم تختلف في درجاتها وظروفها، فهناك مثلاً الخطف بالإكراه والخطف بالحيلة، وهناك خطف الصغير وخطف المجنون وخطف المرأة، وأشكال أخرى، وأيضاً هناك جرائم جمع الأموال بغير ترخيص وتصديرها لجهات خارجية، وقد تكون هذه الجهات الخارجية مرخصة أو غير مرخصة، وقد تكون معادية ومحظورة، وقد تكون إرهابية، وقد يكون جميع المشاركين في الجريمة على درجة واحدة من التأثيم، وقد يختلفون في أحكامهم حسب درجة ضلوع بعضهم، كما حصل في القضايا السابقة، وهذه الأمور كلها لا يستطيع أحد الحكم فيها إلا القضاء. 

 كلنا يتذكر الإساءات التي وُجّهت من بعض الكُتّاب إلى العمل الخيري الكويتي حيث تم فيها التعميم والإدانة المسبقة للجميع، ولكن بحمد الله لم تتم إدانة أي عمل من الأعمال الخيرية الكبيرة في البلاد.

إذاً، على جهات الأمن والاتهام إبراز أدلة الإثبات الحاسمة أمام النيابة، حيث تقوم النيابة بدراستها والتحقيق الدقيق فيها، ثم يرفع الأمر إلى القضاء حيث ستقرر المحاكم البراءة أو الإدانة أو إدانة البعض وعقابهم بالعقوبات المناسبة حسب القانون.

وعليه، فإنه لا يجوز إطلاق ألفاظ الإدانة والخيانة أو الإرهاب أو التكفير على الجميع أو على أي متهم بالاسم قبل حكم القضاء على هذا المتهم، لأن هذا مخالف للنظام القانوني، وفيه إساءة للبلاد، والواجب أن نقول للكاتب الكاوبوي من حقك أن تستنكر هذه الجريمة البشعة، ومن حقك أن تشهد بشهادتك أمام المحكمة، ولكن ليس من حقك أن تدين أو تبرئ أحداً، وعليك انتظار القضاء.