جاء أوبريت «ديرة الخير» هذا العام بوصفه عملاً وطنياً متكاملاً لا يكتفي بجمال الصورة أو عذوبة الكلمة، بل يتجاوز ذلك إلى بناءٍ رمزيٍّ يعكس عُمق العلاقة بين القيادة والشعب. فقد تآلفت عناصره في نسيجٍ فنيٍّ متين، إخراجٌ مُحكم، ونصٌّ مشدود العصب، وروحٌ وطنيةٌ صادقة تنبض في كل مشهد. ولم تكن العبارة التي ردَّدها الجميع: «مشعل الأحمد أبونا كلنا» مجرَّد لازمةٍ عابرة، بل تحوَّلت إلى وجدانٍ جمعيٍّ صادق، عبَّر عن حالة التفافٍ أصيلة، حتى جاوزت أصداؤها حدود الكويت لتلامس شعور الخليج بأسره.

ثم جاء خطاب سموه في العشر الأواخر من رمضان، خطاباً يرسخ المعنى ويؤكد الرسالة، لغةٌ هادئةٌ تحمل في طياتها قوة الطمأنينة، ونبرة أبوية تُعيد إلى النفوس توازنها، وتغرس الثقة في القلوب. لم يكن خطاباً بروتوكولياً، بل كان موقفاً متكاملاً، استحضر فيه سموه دور المؤسستين العسكرية والأمنية، مثمناً تضحياتهما، ومؤكداً ثوابت السيادة وأُسس الاستقرار. وفي مشهدٍ إنسانيٍّ بالغ التأثير، استقبل أهالي الشهداء- كويتيين وغير كويتيين- ممن طالتهم يد العدوان، في رسالةٍ تختصر معنى الوفاء، وتُعلن بوضوح أن الكويت لا تنسى أبناءها ولا تتخلَّى عن أوفيائها.

لقد كان هذا الخطاب لحظةً فارقة، تردَّد صداها في المجالس والمنصات، لما حمله من وضوح الرؤية، وصِدق النبرة، وحزم الموقف، في زمنٍ تتشابك به الأزمات وتشتد الحاجة إلى الكلمة المسؤولة.

Ad

غير أن المفارقة المؤلمة، والتي لا يمكن تبريرها أو التهوين من شأنها، تمثلت في ذلك الغياب المريب لجمعية أعضاء هيئة التدريس بجامعة الكويت، غيابٌ لا يُفهم، وتأخّرٌ لا يُغتفر. بيانٌ يأتي بعد شهرٍ كامل من الحدث، وكأن الوطن شأنٌ ثانوي، أو قضيةٌ مؤجّلة! أيُّ استخفافٍ هذا بواجب الانتماء؟ وأيُّ قراءةٍ مختلَّةٍ لأولويات اللحظة؟

إن هذا الصمت لم يكن حياداً، بل كان تقصيراً صريحاً، بل تجاوز حدّ التقصير إلى صورةٍ من صور الانفصال عن نبض الوطن. فالمؤسسات الأكاديمية ليست جُزراً معزولة، ولا منابر انتقائية تُستدعى حين يروق الحديث، وتُغيَّب حين تشتد الحاجة. إن من المؤسف أن نرى سرعة الحضور في قضايا بعيدة، يقابلها بطءٌ مثيرٌ للريبة حين يكون الوطن هو المعنيّ الأول.

إن الانتماء لا يُقاس بكثرة البيانات، بل بتوقيتها، ولا يُختبر بجمال العبارات، بل بصِدق الموقف. والوطن، حين يُستهدف، لا ينتظر ترف التأجيل، ولا يقبل أعذار التباطؤ. فالكويت التي منحت واحتضنت ورفعت، لا تستحق أن تُواجَه بهذا الفتور، ولا أن تُقابَل بهذا الصمت البارد. 

وقد صدق أبوالطيِّب إذ قال:

إذا اشتبكتْ دموعٌ في خدودٍ

 تبيَّنَ مَنْ بكى ممّنْ تباكى

فالمواقف العظيمة لا تحتمل أنصاف الحضور، ولا تقبل أنصاف المواقف، إما أن تكون في صدارة الواجب، وإما أن تفسح المجال لمَنْ يدرك قيمة اللحظة ويفهم معنى الوطن ويحافظ على هويته، ويشارك في أعياده التي استكثرتم فيها عليه التهنئة بعيد الاستقلال الخامس والستين وعيد التحرير الخامس والثلاثين.

وختاماً، فإن الرسالة إلى وزيرة الشؤون د. أمثال الحويلة هي رسالةُ مسؤوليةٍ صريحة: إن ما جرى يستدعي وقفةً حازمة، ومراجعةً جادَّة، تضع كل جهة أمام مسؤولياتها، وتُعيد ترتيب الأولويات بما يليق بمقام الوطن. فالكويت ليست هامشاً في حساب أحد، ولا تفصيلاً يمكن تأجيله، بل هي الأصل الذي لا يُقدَّم عليه شيء، ولا يُساوَم عليه تحت أي ظرف.