لن نجامل، ولن نخفض النبرة لإرضاء أوهامكم. الحقيقة أوضح من أن تُخفى: أنتم لا ترون فينا إلا النفط، لأنكم لا تملكون القدرة على رؤية ما هو أبعد من ذلك. مَنْ يعيش بوعيٍ سطحي، يرى العالم بشكلٍ سطحي. أن تختزل شعوباً كاملة في «برميل نفط» لا يكشف شيئاً عنا، بل يعرِّيكم أنتم. يُعرِّي فراغكم التاريخي، وهشاشتكم الفكرية، وعجزكم عن فهم معنى الدولة الحقيقية.
المفارقة المضحكة المبكية، أن مَنْ يتحدَّث اليوم عن «الحضارة» و«التاريخ» يعيش في دُول بالكاد وُلدت بالأمس القريب. دُول قامت على توحيد دويلات متفرقة، لا يتجاوز عُمرها السياسي في كثيرٍ من الأحيان ستين أو سبعين عاماً، ثم يأتيك أحدهم لينظِّر عن التاريخ، وكأنه حفيد إمبراطورية! أي مهزلة هذه؟!
التاريخ لا يُستورد، ولا يُختلق، ولا يُصرخ به في المنصات. التاريخ يُبنى، ويُدفع ثمنه، ويترسَّخ عبر قرون.
في الكويت ودول الخليج، لم نكن يوماً طارئين. لم نُخلق مع النفط، ولم نُصبح موجودين حين ارتفعت الأسعار. نحن كُنا هنا قبل ذلك بقرون، نُبحر، نُتاجر، نبني، ونؤسس مجتمعات لها قيمها واستقرارها وهويتها. نحن امتداد زمني حقيقي، لا قصة قصيرة كُتبت على عَجَل. أما أنتم، فتمتلكون ثروات هائلة، وفوائض طبيعية ومالية كان يمكن أن تصنع معجزات، لكنها تحوَّلت إلى دليلٍ إضافيٍ على الفشل، لأن المشكلة لم تكن يوماً في الموارد، بل في الإدارة، في العقل، في الذهنية التي تهدر الفرص، ثم تبحث عن شماعةٍ خارجيةٍ تعلق عليها عجزها.
والأكثر سقوطاً، أن كثيراً من هذه الأصوات تعيش خارج أوطانها أصلاً. تحمل جنسيات غربية، وتدفع ضرائب تموِّل سياسات تضرب منطقتنا، وتدعم الاحتلال، وتغذي الفوضى، ثم تعود لتزايد علينا في «الوطنية» و«الكرامة»! هذا ليس تناقضاً... هذا انفصام كامل. تهاجم من الداخل، وتخدم من الخارج. تدَّعي الانتماء، وأنت أول مَنْ تخلَّى عنه. تتحدَّث عن التاريخ، وأنت بلا جذور.
نحن في الكويت ودول الخليج لسنا برميل نفط... نحن حقيقة ثقيلة عليكم، لأن وجودنا يفضح عجزكم. نحن تاريخ لا تستطيعون مجاراته، وهوية لا يُمكنكم تقليدها، وحاضر يثبت أن الاستقرار لا يُشترى بالشعارات. ومَنْ لا يحتمل هذه الحقيقة، فليبحث له عن وهمٍ آخر يعيش فيه. أما نحن، فلن نختزل أنفسنا لنناسب ضيق وعيكم.