تداولت منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي صدور قواعد جديدة تتعلق بآلية تنفيذ محجوز الضمان ضمن قواعد تنفيذ ميزانيات الجهات الحكومية للسنة المالية 2026/2027، والمنشورة بتاريخ 29/3/2026 على موقع وزارة المالية.
وقد صاحب هذه المنشورات قدر من الارتياح لدى شركات الاستشارات الضريبية والمهتمين بالمجال الضريبي، بسبب ما تضمنته القواعد من توضيح لبعض الأحكام الضريبية، رغم أنها تُخاطب الجهات الحكومية دون القطاع الخاص.
ويكشف هذا الارتياح عن حاجة عملية إلى مزيد من الوضوح في عرض الأحكام الضريبية وإيصالها إلى جميع الأطراف ذات الصلة، بما في ذلك الشركات. وكما يثير تناول توضيح أو تعديل آلية محجوز الضمان من خلال هذه القواعد تساؤلاً حول مدى جواز وملاءمة تضمين أحكام ضريبية جديدة فيها.
وفي هذا السياق، تبحث هذه المقالة في (أولاً) الطبيعة القانونية لقواعد تنفيذ الميزانية، (ثانياً) مدى جواز أن تتضمن قواعد تنفيذ الميزانية أحكاماً جديدة، و(ثالثاً) ما ورد فيها بشأن محجوز الضمان، و(رابعاً) مدى ملاءمة تضمينها أحكاماً ضريبية جديدة.
أولاً: ما هي قواعد تنفيذ ميزانيات الجهات الحكومية السنوية؟
يمكن وصف هذه القواعد بأنها دليل توضيحي يصدر عن وزير المالية، ويخاطب بطبيعته الجهات الحكومية دون القطاع الخاص، بهدف تذكيرها بالأحكام المالية الواردة أصلاً في الدستور والقوانين واللوائح والقرارات الإدارية، وذلك لضمان تنفيذ الميزانية، وصرف النفقات، وجباية الإيرادات وفقاً للتشريعات القائمة.
ويؤكد ذلك نص المادة 17 من المرسوم بقانون رقم 31/1978 بشأن قواعد إعداد الميزانيات العامة والرقابة على تنفيذها والحساب الختامي، والتي تنص على إصدار وزير المالية التعميمات الخاصة بتنفيذ الميزانية – والتي يُقصد بها قواعد تنفيذ ميزانيات الجهات الحكومية السنوية – على نحو يضمن، كما ورد في النص، «مطابقة هذا التنفيذ لأحكام القوانين واللوائح»، مع إبلاغ هذه التعميمات إلى الجهات المعنية في ذات الوقت الذي يُبلَّغ فيه قانون الميزانية.
ويُفهم من هذا النص أن المشرِّع ألزم وزير المالية بإصدار تعاميم تُعنى بكيفية تنفيذ الميزانية بما يكفل الالتزام بالإطار القانوني القائم، وهو ما يتم عملياً من خلال إصدار هذه القواعد بالتزامن مع إبلاغ الجهات الحكومية بميزانياتها.
ثانياً: هل تعد قواعد تنفيذ ميزانيات الجهات الحكومية السنوية مصدراً لأحكام جديدة؟
الأصل أنها لا تتضمن أحكاماً جديدة. فهي، بحكم نص المادة 17 المشار إليها، تتضمن إيضاحات للتشريعات القائمة. وعليه، لا يجوز لهذه القواعد أن تنشئ التزاماً جديداً، أو تعدل حكماً وارداً في تشريع قائم، أو تضيف شرطاً لم يرد به نص في أي تشريع.
ويؤكد ذلك ما يورده الموقع الإلكتروني لوزارة المالية عند نشر قواعد تنفيذ ميزانيات الجهات الحكومية السنوية، حيث يبيّن الأساس القانوني لكل قاعدة، سواء كان هذا الأساس نصاً في قانون أو لائحة أو قراراً إدارياً.
فيقتصر دور هذه القواعد على توضيح وتأكيد ما ورد أصلاً في القوانين واللوائح، دون إنشاء أحكام جديدة. وهو ما تؤكده أيضاً مقدمة القواعد السنوية، التي تنص على أن هدفها هو توضيح وتجميع الأحكام الواردة في الدستور، والمرسوم بقانون رقم 31/1978، والقوانين والمراسيم، وقرارات مجلس الوزراء، والقرارات الوزارية، والتعاميم والتعليمات المالية.
فعلى سبيل المثال، تنص قواعد تنفيذ ميزانيات الجهات الحكومية للسنة المالية 2026/2027 على عدم تقديم الخدمات للشركات الخاضعة للقانون رقم 46/2006 في شأن الزكاة ومساهمة الشركات المساهمة العامة والمقفلة في ميزانية الدولة إلا بعد تقديم ما يفيد براءة ذمتها، وهو حكم لا يُعد جديداً، بل تطبيق لما ورد في المادة 21 من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 46/2006.
إلا أن التطبيق العملي قد يشذ في بعض الأحيان عن هذا الأصل. ففي بعض الحالات، لا تقتصر القواعد على التوضيح، بل تمتد إلى إضافة أحكام جديدة.
ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في المادة 27 من المرسوم بقانون رقم 31/1978، والتي تقرر عدم جواز صرف مبالغ مقدمة إلا في حدود 20٪ من قيمة التعاقد، مع إمكانية تجاوز هذه النسبة بشروط محددة، منها موافقة الوزير المختص وإذن وزير المالية اذا تجاوزت نسبة الصرف20٪.
إلا أن القاعدة رقم 6 من قواعد تنفيذ الميزانية السنوية (فصل المصروفات – قسم الارتباط)، وإن أعادت تقرير هذه الأحكام، فقد وسّعت نطاق الجهة المختصة بالموافقة لتشمل رئيس الجهة بدرجة وزير بدلاً من الوزير المختص، وهو ما لم يرد في نص المادة 27 من المرسوم بقانون رقم 31/1978، وقد يُعد خروجاً من نطاق التفسير إلى إنشاء حكم جديد.
وبرأيي، تكون إضافة أو إنشاء الأحكام من خلال قواعد تنفيذ الميزانية السنوية مشروعاً قانوناً في حالة واحدة فقط، وهي أن يكون وزير المالية – المختص بإصدار هذه القواعد – مختصاً أيضاً بإقرار الحكم محل الإضافة.
فعلى سبيل المثال، يمكن لوزير المالية إدخال تنظيمات تتعلق بالأحكام الواردة في اللائحة التنفيذية للقوانين الضريبية، باعتباره الجهة المختصة بإصدار كلٍّ من قواعد تنفيذ الميزانية واللائحة التنفيذية.
ثالثاً: هل تضمنت قواعد تنفيذ ميزانيات الجهات
الحكومية للسنة المالية 2026/2027 أحكاماً ضريبية جديدة؟
نعم، تضمنت القواعد تعديلاً لأحكام تتعلق بمحجوز الضمان الواردة في اللائحة التنفيذية لمرسوم ضريبة الدخل رقم 3/1955 المعدل بالقانون رقم 2/2008.
ولعل من المهم، بادئ ذي بدء، توضيح المقصود بآلية محجوز الضمان. إذ يُعد أحد ضمانات تحصيل الضريبة المفروضة وفقاً لمرسوم ضريبة الدخل المشار إليه.
وتُلزم المواد 37–39 من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 2/2008 الجهات الحكومية، وكذلك القطاع الخاص، بحجز نسبة 5٪ من قيمة العقود المبرمة مع الشركات، وذلك ضماناً لسداد الضريبة.
ووفقاً للائحة التنفيذية، لا يجوز الإفراج عن قيمة محجوز الضمان للشركات المتعاقدة إلا بعد موافقة الإدارة الضريبية، بناءً على طلب يُقدَّم من هذه الشركات. وتصدر هذه الموافقة في حالات متعددة، منها سداد الالتزامات الضريبية، أو إثبات عدم الخضوع للضريبة، أو الإعفاء منها. كما تلتزم الجهات الحاجزة بتوريد المستحقات الضريبية خصماً من محجوز الضمان متى طلبت الإدارة الضريبية ذلك. ولعل من الجدير بالذكر أن تنظيم محجوز الضمان لم يرد به نص صريح في القانون، كما خلا القانون من أي تفويض بتنظيم محجوز الضمان أو ضمانات تحصيل الضريبة في اللائحة التنفيذية، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى التزام اللائحة بحدودها القانونية.
وأياً كان الرأي بشأن مشروعية تنظيم محجوز الضمان في اللائحة التنفيذية، فإن قواعد تنفيذ ميزانيات الجهات الحكومية للسنوات السابقة قد أعادت تقرير هذه الأحكام استناداً إلى ورودها في اللائحة التنفيذية. أما بشأن المستحدث من الأحكام الضريبية في قواعد تنفيذ الميزانية للسنة المالية 2026/2027، فيتبين أنها تضمنت حكماً جديداً يتعلق بآلية الإفراج عن محجوز الضمان.
فقد أكدت القواعد التزام الجهات الحكومية بحجز محجوز الضمان عند التعاقد، مع استثناء المبالغ المدفوعة للكيانات الخاضعة للضريبة وفقاً للمرسوم بقانون رقم 157/2024 بإصدار قانون الضريبة على مجموعة الكيانات متعددة الجنسيات، وذلك بشرط قيام هذه الكيانات بإبراز بطاقة ضريبية صادرة من الإدارة الضريبية تفيد بخضوعها لهذا المرسوم بقانون.
وتأتي هذه الآلية لتسهيل الإجراءات الحكومية وتقليل الضغط على الإدارة الضريبية، إذ إن هذه الكيانات لا تخضع للضريبة المفروضة بالقانون رقم 2/2008، وذلك استناداً إلى المادة الأولى (مادة الإصدار) من المرسوم بقانون رقم 157/2024، وبالتالي لا حاجة لحجز محجوز الضمان.
إلا أن الإجراء المقرر في اللائحة التنفيذية يقوم على حجز محجوز الضمان ابتداءً، ثم تقديم طلب إلى الإدارة الضريبية، وصدور موافقة منها بعدم الخضوع، ليتم الإفراج لاحقاً من قبل الجهة الحكومية.
وبعبارة أخرى، استبدلت القواعد إجراء تقديم طلب الإفراج وصدور الموافقة من الإدارة الضريبية بإبراز البطاقة الضريبية مباشرة للجهة الحكومية. وبالتالي، يمكن فهم ما ورد في القواعد باعتباره موافقة عامة للجهات الحكومية.
رابعاً: هل من الملائم النص على أحكام ضريبية جديدة عبر قواعد تنفيذ ميزانيات الجهات الحكومية السنوية؟
لا أعتقد أن من الملائم تضمين قواعد تنفيذ الميزانية السنوية أحكاماً ضريبية جديدة – حتى على فرض مشروعية ذلك –وذلك لعدة اعتبارات. فمن جهة، لا تقتصر الأحكام الضريبية على تنظيم علاقة داخلية بين وزارة المالية والجهات الحكومية، بل تمتد آثارها إلى مراكز قانونية لعدة أطراف، من بينها الإدارة الضريبية، والشركات الخاضعة للضريبة، وكذلك الغير الذي قد يرتب عليه القانون التزاماً، كما هو الحال في محجوز الضمان.
ومن ثم، فإن إدراج أحكام ضريبية جديدة، أو حتى تقديم تفسيرات عملية لأحكام قائمة، ضمن وثيقة موجهة أصلاً إلى الجهات الحكومية فقط، لا يُعد الوسيلة الأنسب لإبلاغ المخاطبين بهذه الأحكام.
ومن جهة أخرى، يؤدي هذا النهج إلى تشتيت الأحكام الضريبية بين مصادر متعددة، بدل حصرها ضمن الأطر الطبيعية المنظمة لها، كالقانون الضريبي، ولائحته التنفيذية، والتعليمات والتعاميم الصادرة تطبيقاً له.
وأخيراً، قد يترتب على هذا النهج استحداث قواعد ضريبية من خلال قواعد تنفيذ الميزانية السنوية، بما يثير إشكالات عملية تتعلق بنطاق سريان الحكم أو التفسير المستحدث، لا سيما في ظل وجود لوائح وقرارات سارية تنظم ذات الموضوع.
ويبرز ذلك بوضوح في التعديل المتعلق بآلية الإفراج عن محجوز الضمان، حيث يثور التساؤل حول مدى امتداد هذه الآلية – التي تكتفي بإبراز البطاقة الضريبية للكيانات الخاضعة للمرسوم بقانون رقم 157/2024 – إلى القطاع الخاص.
فهل يُفهم من استحداث حكم يعدّل آلية محجوز الضمان بالنسبة للمبالغ المدفوعة إلى هذه الكيانات إعفاءُ القطاع الخاص أيضًا من الالتزام بالحجز عند التعاقد معها، أم أن نطاق التطبيق يقتصر على الجهات الحكومية دون غيرها؟
وختاماً، فإن ما يظهر من تعطش لدى المختصين في المجال الضريبي إلى توضيح الأحكام الضريبية يعكس أهمية تعزيز الشفافية واليقين القانوني، لا سيما في ظل ما يترتب على الإخلال بالالتزامات الضريبية من جزاءات مالية.
غير أن الاستجابة لهذه الحاجة لا تكون عبر تضمين قواعد تنفيذ الميزانية أحكامًا ضريبية أو تفسيرات لها، وإنما من خلال تطوير أدوات رسمية لنشر وتفسير هذه الأحكام، ككتيبات الأسئلة الشائعة، ونظام الفتاوى الضريبية المسبقة، بما يضمن وصولها إلى جميع المخاطبين بها.
*متخصصة في القوانين الضريبية والمالية – عضو هيئة تدريس بجامعة الكويت