نحب أن نرى أنفسنا في صورة المُحسن. نمدّ أيدينا بالعطاء، ونُسارع إلى النجدة، ونشعر - في لحظة صادقة - أننا أدّينا ما علينا، ووقفنا مع محتاج، وخففنا ألماً، وصنعنا خيراً.

لكن السؤال الذي يستحق التأمل: هل ما نقوم به دائما مساعدة حقيقية؟ أم أنه، في بعض الأحيان، مجرّد طريقة راقية لإراحة ضمائرنا؟

ليس في هذا السؤال اتهام، فالرغبة في فعل الخير من أنبل ما في الإنسان. غير أن النوايا الحسنة - على أهميتها - لا تكفي وحدها لصناعة أثر نافع. فكم من فعلٍ قصد به صاحبه الخير، لكنه لم يُصلح واقعًا، ولم يُنهِ حاجة، وربما ساهم- من دون قصد - في استمرار المشكلة.

Ad

في كثير من المواقف، نُعطي لأن المشهد مؤثّر، أو لأن القصة مُقنعة، أو لأن اللحظة تضغط علينا نفسيًا. نرى دمعة، أو نسمع رواية موجعة، أو نقف أمام حالة تستدعي التعاطف، فنستجيب سريعًا، ثم نمضي ونحن نشعر بالرضا.

لكن ماذا بعد ذلك؟ هل وصل العطاء فعلًا إلى مَن هو أشد حاجة؟ هل ساهم فيما يُعين الإنسان على تجاوز أزمته؟ هل كان خطوة نحو الحل... أم مجرد تأجيل للمشكلة؟

الفرق كبير بين عطاء يخفف شعورنا الداخلي، وعطاء يغيّر واقع المحتاج. الأول يمنحنا راحة سريعة، والثاني يحتاج فهمًا أعمق، وصبرًا أكثر، وتحققًا أدق.

وقد جسّد الهدي النبوي هذا المعنى حين جاء رجل يسأل، فلم يكن الجواب مجرد عطاءٍ آني، بل توجيهًا إلى عملٍ يكتسب به ويستغني. ففي بعض الحالات تكون المساعدة مالًا، وفي حالات أخرى تكون فرصة، أو تدريبًا، أو باب رزق. فليس الناس سواء، ولا الاحتياجات سواء، ولا يصلح للجميع نوع واحد من العطاء.

فالشاب القادر على العمل قد تكون مساعدته في تمكينه، وتأهيله، وفتح باب رزق له. أما كبير السن، أو المريض، أو من أعجزته الظروف، فقد تكون حاجته إلى دعم مباشر ورعاية مستمرة. والعدل هنا ليس في تساوي العطاء، بل في مناسبة العطاء لصاحبه.

في مشاهد الحياة اليومية، عند إشارات المرور، وفي الطرقات، وأمام بعض المرافق العامة، نرى من يطلب المساعدة بطرق متعددة، وهذا التعاطف في أصله قيمة نبيلة، لكن حين يغيب التحقق، يصبح العطاء أحيانًا استجابة لمن يُحسن العرض، لا لمن هو أشد حاجة.

هنا لا تكون المشكلة في الرحمة، بل في غياب الميزان، فالعمل الإنساني الحقيقي لا يُقاس بسرعة الاستجابة فقط، بل بدقة التوجيه أيضًا. ولا يُبنى على التأثر وحده، بل على فهم الحاجة، ومعرفة الأولويات، وتقدير الأثر المتوقع، فليس كل عطاءٍ إصلاحًا، وليس كل استجابةٍ إنقاذًا.

في ميزان المعنى...

لسنا بحاجة إلى مزيد من العطاء العابر، بقدر حاجتنا إلى عطاءٍ أبصر، وأعدل، وأعمق أثرًا.

لكن يبقى السؤال الأهم: إذا كانت بعض المساعدة تُريحنا أكثر مما تُصلح الواقع... فكيف ننتقل من العطاء المؤقت إلى صناعة التمكين الحقيقي؟