هناك مقاييس لمختلف الأمور والقضايا والحالات والخدمات والأداء، تفصل بين النجاح والإخفاق، والصحة والخطأ، ومستوى الجودة، قد لا تكون تماماً على نقيضين، بل ضمن مساحةٍ وسيطة بتباينٍ متدرج، فلا نستطيع أن نحكم بشكلٍ جازم ومُطلق على كل شيء، وهذا من المرونة والواقعية والإنصاف.
يصعب أن تضع حياة البشر تحت التقييم، لأنها ترتبط بالجانب المعنوي كثيراً.
تسود اعتقادات غريبة وجامدة حول النجاح والسعادة والإنجاز والقوة، تغيَّرت مع الزمن وتغيُّر المفاهيم، لكن مَنْ يضعها؟ ومَنْ يحددها؟ ومَنْ يقرر أي نموذج للأفراد يمثل حياة ناجحة وصحيحة؟
أولاً: الحياة المثالية غير موجودة، وليست مطلباً في الدنيا التي تحكمها النواقص والمنغصات.
ثانياً: مَنْ الذي ينصب نفسه قيّماً على حيوات الآخرين، ليحكي أو يصنف؟ أو يُطالب ويُلاحق؟ أو يزدري ويستهزئ؟ أو يمجِّد ويصفق؟
إن حقيقة الحياة التي نعرفها من خالقنا وخالق الحياة أنها دار ابتلاء وفناء، نُكابد فيها ونسأل الله العافية، ونغادر ونرجو أن يتغمَّدنا الله برحمته.
وبين ذلك، كل إنسان ومسعاه، كل إنسان يعيش يومه بصراعاته، من ميولٍ وإمكانات، وتطلعات وعقبات، من إحسان وإساءة، وسلام وسوء ظن، وكل النزعات مجتمعة.
يحسم بعض الناس النجاح بشكلٍ محدَّد، بحياة تتخذ طريقاً واحداً دارجاً، عادة هو النمط التقليدي في الوظيفة الثابتة والزواج والإنجاب وأساليب المعيشة المعتادة. ويظنون أنهم بذلك أنجزوا المطلوب وحققوا النجاح ونالوا رضا المجتمع. خارج هذا السياق -حتى وإن كان الفرد لطيفاً اجتماعياً وسليماً أخلاقياً- يُعد حالةً شاذة أو ناقصة، أو ذات حظٍ عاثر.
الحياة تتسم بالتعددية، وتحلو بالاستقامة، وتنجح برضا الله، عز وجل. كل ما فيها من تباينٍ يثري تنوعها، ويسد الحاجات. البعض الآخر من الناس يختار ما يناسبه هو، ما يُلائمك قد لا يُلائمه، وتعريف السعادة والنجاح لديه يختلف عمَّا لديك، وليس شأنك أن تعمِّم أو تخصص طالما أن مسلكه لا يمس الفضائل ولا يدمر المصالح. كما أن الحياة لا تأتي بهيئةٍ ثابتة، إنما هي مراحل وأطوار وظروف، تختلف، تنتهي وتبدأ، وقرارات وتوابع، ورؤى وخصوصيات.
أنت مسؤول عن نفسك وعن حياتك وأثرك، وتجاه الآخرين في مشاركة الفوائد والنصح، والثبات على الحق، والمساهمة الطيبة وصالح الدعاء. لست مسؤولاً عن تحويل اختيارات حياتهم ولا مطاردتهم.
وعلى الله قصد السبيل، ومنها جائر، وهو وحده الهادي إلى سواء السبيل.