وضعت كلمة الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية أمام مجلس الأمن الدولي، وما سبقها من إحاطة إعلامية موجَّهة للرأي العام بشأن الاعتداءات الإيرانية الآثمة، ملامح التحرُّك الرسمي لصون السيادة الخليجية، وتأكيد دور المنطقة في استقرار الاقتصاد العالمي.
ورغم القيمة الاستراتيجية لهذين الخطابين في رصد الأضرار التي طالت المرافق العامة، فإنه كان من اللافت المرور المقتضب على استهداف محطات تحلية مياه الشرب كبندٍ إحصائي ضمن أضرار البنية التحتية، من دون منح العالم صورة حقيقية عن فداحة المساس بمنظومة مياه الشرب كخطرٍ إنسانيٍ وجودي.
ففي حين ينصبُّ الاهتمام العالمي على استقرار أسواق الطاقة، تلوح في الأفق أزمة إنسانية في بعض دول المجلس، التي يعتمد سكانها كُلياً على التحلية المرتبطة بمحطات القوى الكهربائية لتأمين مياه الشُّرب. وتكمن الخطورة في افتقار مثل هذه المنظومة لمرونة الصمود أمام الصدمات العنيفة، حيث يترتب على أي تعطيلٍ للمحطات تأثيرٌ مباشرٌ على تدفق مياه الشُّرب، بما يُهدِّد مقومات الحياة الأساسية.
وفي ظل هذا المشهد الإقليمي المتأزم، ووسط استباحة محطات القوى الكهربائية وتحلية المياه كأهدافٍ للعدوان، تتأكد ضرورة انتقال دول المجلس من نهج التخطيط المائي المنفرد إلى آفاق التكامل الاستراتيجي الجماعي. وتتصدَّر فكرة الربط المائي الخليجي كخيارٍ استراتيجي، على غرار تجربة الربط الكهربائي الناجحة، حيث يُتيح تبادل المياه عبر الحدود ما يعزز ثبات المنظومة المائية الوطنية في حال تعثر عمليات الإنتاج، ويضمن تدفق مياه الشرب للمستهلكين.
علاوة على ذلك، يوفر هذا التوجه فُرصاً للاستثمار في منظومات تخزين استراتيجية أكثر تنوُّعاً، تشمل استغلال المكامن الطبيعية، والبحيرات الموسمية، والتوسع في إنشاء الخزانات الكبرى. كما أن تفعيل آليات التبادل التجاري للمياه بين دول المجلس سيفتح آفاقاً أوسع لتنويع مزيج الطاقة وتقنيات التحلية، بما ينسجم مع الخطط الوطنية لخفض استهلاك الوقود المحلي، ويُسهم في تسريع التحوُّل الطاقي المنشود في دول الخليج.
إن المحصلة النهائية لهذا التوجه ستؤدي إلى خلق شبكة أمان مائية قادرة على مواجهة هشاشة المنظومات المحلية المنفصلة أمام المتغيِّرات الحادة. غير أن تحقيق هذا التحوُّل الاستراتيجي يستلزم قوة دفع تتبناها الدول الأكثر اعتماداً على تقنيات التحلية، وهو ما يضع الكويت اليوم في موقع تصدُّر هذا الحِراك وتولي زمام المبادرة فيه، بصفتها الأكثر اعتماداً على التحلية لتأمين مياه الشرب. ولعل الخطوة الأولى في هذا المسعى تبدأ من الداخل الكويتي، عبر تفعيل ما هو قائم من تشريعات، وترجمتها إلى برامج تنفيذية فاعلة، بما يُهيئ البيئة المحلية والقدرات الوطنية لاستيعاب متطلبات هذا التحوُّل، ويعزز قُدرة المنظومة المائية على الصمود والاستدامة.
*دكتوراه في نظم الطاقة من كلية جامعة لندن (UCL) وباحث متخصص في تقاطع ملفات الطاقة والمياه والتنمية المستدامة.