«عدم الاتفاق أفضل من اتفاق سيئ»... هذه إحدى أهم القواعد في علم المفاوضات، وتحديداً في مبدأ «أفضل البدائل المتاحة عند انهيار الاتفاق».

إن مجرَّد جلوس أميركا وإيران على طاولةٍ واحدة يُعد بحد ذاته حدثاً بارزاً. نحن نتحدَّث عن دولتين يفصل بينهما أكثر من 45 عاماً من العداء، منذ الإطاحة بشاه إيران، مروراً بأزمة الرهائن، وصولاً إلى سلسلةٍ من الضربات والعقوبات. فمنذ عام 1979 والعلاقة بين واشنطن وطهران تقوم على نمطٍ واحد، تصعيد حتى الحافة، ثم الجلوس إلى الطاولة، من الصفقات السريَّة في الثمانينيات إلى الاتفاق النووي في 2015، وفي كل مرة لم يأتِ التفاوض من ثقة، بل من استحالة التجاهل.

هذه المرة ليست استثناءً، لكنها تحمل ثقلاً، فإيران اليوم تجلس إلى الطاولة وهي تعرف تكلفة البقاء خارجها، اقتصاد تأكله عقوبات متراكمة، وعُملة فقدت أكثر من 80 في المئة من قيمتها، وداخل مُثقل بأعباء تحتاج إلى احتواء. إذا ما نظرنا إلى هامش المناورة لديها، فسنجده محدوداً جداً، وإن كان الخطاب الرسمي لها يُخفي ذلك بعناية. 

Ad

بينما أميركا في المقابل تملك مساحةً أوسع، ليس عسكرياً فحسب، بل في تنوُّع أدواتها، تحالفات، ضغط اقتصادي ممنهج، وحضور دولي يمنحها خيارات تتجاوز المواجهة المباشرة، لكن هذا لا يعني أبداً أنها تفاوض من موقعٍ مريح تماماً، فأي مواجهةٍ مسلَّحة في منطقةٍ يمر عَبْرها قُرابة 20 في المئة من تجارة النفط العالمية يومياً ستُكلِّف الجميع.

من هذه الخلفية يمكن قراءة ما جرى في الجولة الأولى. في علم المفاوضات، ثمة ما يُسمَّى «نطاق الاتفاق الممكن»، وهو المساحة التي يمكن فيها للطرفين نظرياً إيجاد حلٍ مشترك. ما جرى في الجولة الأولى لم يكن فشلاً بالمعنى الحرفي، بل كان اختباراً لمعرفة أين يقع هذا النطاق، وما الهوة الفعلية بين المواقف المُعلنة والمصالح الحقيقية. هذا ما يحدث دائماً في مفاوضات بهذا الحجم. الجولة الأولى لا تُنتج اتفاقاً، لكنها تُنتج خريطة طريق، فكل طرفٍ يكشف بعض أوراقه، ويحتفظ بأخرى، ويختبر جدية الطرف الآخر.

وفي هذه الخريطة يحضر عامل الوقت بقوة، لكن كلاً يقرأه من زاويته، إيران تُراهن على أن الضغط الدولي لن يصمد طويلاً، وأنه كفيل بإضعاف العقوبات، فيما أميركا تُراهن على أن انهيار الداخل الإيراني سيُسرِّع تنازلها. كلاهما قد يكون مُخطئاً في حساباته، وهذا تحديداً ما يجعل التفاوض ضرورياً، فلا أحد يملك رفاهية رفض الطاولة بالكامل.

لكن ثمة حقيقة لا تُقال، ان ما يُتفق عليه في النهاية لن تقف تداعياته عند حدودهما، فأي اتفاق بين واشنطن وطهران ستمتد آثاره إلى ملفات مترابطة، النفوذ الإيراني، ومستقبل منظومة العقوبات، والتوازن الإقليمي في ظل دول تُراقب هذه المفاوضات بقلقٍ كبير.

ما سينتج من هذه المفاوضات لن يكون نهايةً للصراع، إنما اتفاق على إدارته، وهي صيغة لإبقاء التوتر تحت السيطرة، وفي النهاية سيُستخدم الإعلام لإظهار كل طرفٍ كمنتصر، فإيران ستُسوِّقه في الداخل كانتصار، وفي واشنطن سيُظهر للعالم أنه نجاح لها.

لكن الحقيقة أبسط من أي روايةٍ رسمية. إن ما سينتج عنها لن يُنهي الصراع، لكنه سيرسم الحدود، ويمنع الانزلاق إلى ما هو أسوأ، وهذا بحد ذاته يُعد نتيجة ساحقة.

* يُنشر بالتزامن مع صحيفة سبق السعودية وصحيفة الشرق القطرية