قلّد سفير فرنسا لدى الكويت، أوليفييه غوفان، عضو ديوانية الموسيقى بدار الآثار الإسلامية المهندس صباح الريس، وسام فارس في الفنون والآداب، وهو تكريم فرنسي مرموق تمنحه الحكومة الفرنسية للمبدعين في مجالات الفن والأدب والثقافة عالميا، تقديراً لإسهاماتهم في إثراء المشهد الثقافي، خلال حفل أقيم في محل إقامة السفير الفرنسي، بحضور نخبة من الشخصيات.
وفي كلمته خلال الحفل، أشاد السفير غوفان بالمسيرة المتميزة للريس قائلا «يسرنا ويشرفنا أن نلتقي اليوم (أمس) للاحتفاء بشخصية يجسد مسارها بعمق استثنائي، تاريخ الكويت المعاصر المهندس صباح الريس». ومن ثم وجه كلمته للريس ليقول «كمهندس معماري بارز، ومؤلف عمل مرجعي مهم حول تاريخ العمارة والهندسة في الكويت، فأنتم تمثلون جسراً لنقل الذاكرة وحارساً دؤوباً للحياة الثقافية، لاسيما من خلال التزامكم بدعم الموسيقى»، ولفت إلى أن وسام الفنون والآداب أنشئ عام 1957 لتكريم الشخصيات التي تسهم بشكل استثنائي في إشعاع الفنون والثقافة، وتعزيز الحوار بين الثقافات، ويعد مساركم مثالاً يحتذى به في هذا المجال».
وتابع: «تبدأ قصتكم في كويت مختلفة تماماً عن تلك التي نعرفها اليوم: مدينة إنسانية الحجم، ينتقل فيها الناس سيراً على الأقدام، وكانت بيوتها الطينية العريقة تحكي أسلوباً مختلفاً للعيش. لقد عرفتم تلك المرحلة لا بنظرة مثالية بل بوعي تام بما حملته أيضا من صعوبات وجهود، ثم جاءت مرحلة الرحيل، ففي عام 1958، وأنتم في السابعة عشرة فقط كنتم من أوائل الطلبة الذين أرسلوا إلى الخارج، وبعد رحلة طويلة وعند عودتكم إلى الكويت عام 1965، كنتم في الصفوف الأمامية لتحول مذهل، وكنتم آنذاك أحد أولئك المهندسين الشباب، وكان عددهم 7 واكبوا هذا التحول وأطروه ضمن وزارة الأشغال العامة. وفي عام 1968، أسستم شركة Pan Arab Consulting Engineers PACE»، وقد ساهمتم في النهضة العمرانية خلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، وهي فترة برزت فيها الكويت أيضا كمركز فكري وثقافي مهم في الخليج مع إنشاء جامعة الكويت، وتطور الصحافة الحرة، وازدهار الحياة الثقافية».
عمل ضخم
وأضاف «أنجزتم عملاً ضخماً يتمثل في كتابة تاريخ العمارة والهندسة في الكويت، وهو مؤلف يتجاوز 800 صفحة، ثمرة سنوات من العمل، لا يكتفي بوصف المباني، بل يروي قصة مجتمع، وتحولاته، وخياراته، وقد سد هذا العمل فراغاً مهماً، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن البناء لا يكفي بل لابد من نقل المعرفة أيضاً. وعلى امتداد ما يقارب ثلاثين عاما كنتم القوة المحركة للبرمجة الموسيقية في دار الآثار الإسلامية، وبفضل مبادراتكم تحول هذا الصرح إلى فضاء نابض بالحياة، ومنبر مفتوح يلتقي فيه تنوع الثقافات وتتعانق فيه الأجيال، وتتقاطع فيه مختلف التوجهات الفنية. ليقول بعدها «وأخيراً يندرج عملكم بالكامل ضمن إطار الصداقة بين فرنسا والكويت، فبصفتكم شريكاً مخلصاً لسفارة فرنسا والمعهد الفرنسي في الكويت، دعمتم العديد من المبادرات، وساهمتم في إحياء برنامج موسيقي عالي المستوى. وأذكر على وجه الخصوص الحفل الأخير لعازفي البيانو ماكسيم زيكيني، ودافيد بيسموث في دار الآثار الإسلامية، وهو مثال بارز على هذا التعاون الثقافي الذي سنواصل دون شك تعزيزه معاً».
وأكد في ختام كلمته «ان مسيرتكم تجسد تجربة شاهد فريد، وبناء مبدع، ومفكر ملتزم بنقل المعرفة، لقد عايشتم مختلف المراحل، وواكبتم التحولات، ونجحتم في الحفاظ على جوهرها ومعناها. بفضل التزامكم المتواصل ودقتكم الفكرية وشغفكم العميق بالفنون، قدمتم إسهاماً بارزاً في إثراء الحياة الثقافية في الكويت وتعزيز الحوار بين الثقافات».
وعلى هامش التكريم، أعرب الريس عن شكره وتقديره للسفير الفرنسي على هذا التكريم، مؤكدا أن العلاقات الفرنسية- الكويتية تتميز بمتانتها على المستويين الرسمي والشعبي. كما وجه شكره الخاص للمشرفة العامة على دار الآثار الإسلامية الشيخة حصة صباح السالم الصباح، لمواقفها التي لا تنسى، مثمناً دعمها وتشجيعها للفنون والآداب، وثقتها باختياره أن يكون مسؤولا عن الأنشطة الموسيقية. وأكد الريس أن الكويت تمتلك رصيداً عريقاً من القوة الناعمة، تجلّى منذ البدايات في الأنشطة البحرية والأغاني المرتبطة بها، معلقا «اهتمامنا بالقوة الناعمة مهم جداً، وهذه أهم شيء عندنا»، معرباً عن أمله في استمرار دعم هذه الأنشطة الثقافية.
وعن رأيه بالشباب الكويتي المثقف والمهتم بالشأن الثقافي يقول إنه يرى شباباً يبعثون على الفخر والاعتزاز.
وعن أنشطته المستقبلية، أوضح الريس أن الطبعة الأولى من كتابه «تاريخ الهندسة في الكويت... قصة وطن في سيرة ذاتية» بالنسخة العربية قد نفدت من الأسواق، مبيناً أن النسخة الإنكليزية حظيت بإشادة عدد من السفراء والمهتمين، لكونها تقدم تعريفاً وافياً بمعالم الكويت باللغة الإنكليزية، مؤكداً أنه بصدد إصدار طبعة جديدة باللغتين العربية والإنكليزية.
«الجريدة» التقت مع بعض الضيوف، حيث عبرت زوجة نجل الريس غادة خلف عن بالغ سعادتها بمناسبة تكريمه بوسام «فارس في الفنون والآداب»، مؤكدة أن هذا التكريم يأتي تقديراً لمسيرة حافلة بالعطاء والإنجاز.
وأشارت أن الريس يعد من الرواد الذين أسهموا في تشكيل ملامح العمارة في الكويت، وأسهموا في إضفاء الطابع الذي نراه اليوم على المشهد العمراني. وأضافت أنه كان من الأوائل الذين عملوا على عدد من المشاريع البارزة، من بينها مشروع الخليجية، إلى جانب دوره في تصميم مبنى الصندوق العربي، فضلاً عن العديد من المشاريع التي لاتزال حاضرة في الذاكرة، وتشكل مصدر فخر واعتزاز. ولفتت إلى أن ما أبرز ما يميزه في المرحلة الحالية حرصة على توثيق تاريخ العمارة في الكويت من خلال مؤلفه الأخير، معتبرة أن هذه المبادرة تمثل قيمة كبيرة، لما لها من أثر في حفظ الإرث المعماري، وإفادة الأجيال القادمة، مؤكدة في ختام كلمتها أن تكريمه مستحق عن جدارة.
حراك ثقافي
من جانبه، أعرب الموسيقار فيصل البحيري عن فخره واعتزازه الكبيرين بتكريم المهندس صباح الريس بوسام «فارس في الفنون والآداب»، مؤكداً أن هذا التكريم يعكس مكانته المستحقة، ليس فقط كأحد أبرز وأوائل المهندسين في الكويت، بل كإنسان معطاء ومحب للفن والفنانين.
وأشار إلى أن الريس، على مدى أكثر من ثلاثين عاما، كان أحد الداعمين الأساسيين للحراك الثقافي، حيث أسهم بدور بارز في المواسم الثقافية لدار الآثار الإسلامية، من خلال اهتمامه بنشر الموسيقى بمختلف أنواعها، إلى جانب تنوع الندوات والفعاليات الثقافية.
وثمّن البحيري هذه المبادرة من قبل السفير الفرنسي، معتبراً أن هذا التكريم يجسد اهتماماً حقيقياً بالثقافة والفنون، ويعكس تقديراً دولياً لإسهامات الريس في هذا المجال.