بكل فخر واعتزاز، نرفع أسمى آيات الشكر والعرفان إلى حماة الوطن وعيونه الساهرة من منتسبي الجيش الكويتي، والحرس الوطني، ورجال الأمن الأوفياء، وقوة الإطفاء العام، الذين سطروا خلال اثنين وأربعين يوماً ملحمةَ كرامةٍ في مواجهة الاعتداءات الإيرانية الغادرة، التي استهدفت أمن الوطن ومنشآته الحيوية وبنيته التحتية، كما يمتد الشكر إلى الحكومة التي أدارت المشهد بوعي ومسؤولية، وعززت الجاهزية، ونفذت خطط الطوارئ باحترافية عالية.

وإذا كان حماة الديار قد نجحوا في التصدي عسكرياً لهذا العدوان، فإن الواجب الوطني يحتم علينا استكمال هذا النصر... فالنصر لا يكتمل ومدارسنا معطّلة، ومطاراتنا مغلقة، ونشاطنا الرياضي متوقف، ومؤسساتنا تعمل بأقل من طاقتها.

إن البقاء في حالة ترقب هو ما يراهن عليه العدو لزعزعة استقرار الدولة وبث الخوف في نفوس الآمنين، أما عودتنا الكاملة للحياة فهي الضربة القاصمة لمخططات الترويع، فالقوة الحقيقية في إدارة الأزمات لا تكمن في الإغلاق الدائم، بل في مرونة القرار الاستراتيجي، تلك المرونة التي توازن بين حماية الأرواح واستمرار الحياة.

Ad

لقد امتلكت الدولة شجاعة الإيقاف، حين كان ذلك ضرورة لحماية الأنفس، وهي اليوم مطالبة بامتلاك شجاعة الاستئناف الكامل لاستعادة نبض الحياة، مع الحفاظ على أعلى درجات الجاهزية للتعامل مع أي مستجدات، فمرونة الفتح والإغلاق، والتشغيل الكلي أو الجزئي، يجب أن تحكمها تطورات الموقف وتقييم المشهد ومخططات العدو، وهو ما يجعل إدارة الأزمة منظومة ذكية متجددة، لا أسيرة ردود الأفعال.

نعم، كان قرار تعليق الدراسة قراراً مسؤولاً انطلق من أولوية لا خلاف عليها، سلامة أبنائنا الطلبة أولاً وأخيراً، وكما كانت المدارس أول ما أُغلِق حمايةً، يجب أن تكون أول ما يعود بناءً، فالتعليم الحضوري ليس ترفاً، بل ركيزة لا تحتمل التعطيل، وعودته والأجواء مهيأة بمثابة إعلان ثقة بأن الدولة قادرة على حماية مستقبلها.

وينسحب الأمر ذاته على الجامعات، والأنشطة الرياضية، والمطارات، ومقرات العمل، فالحياة لا تُدار بنصف طاقتها دون كلفة كبيرة، لذا فإن استمرار التعطيل، حتى بدافع الحذر، يمنح الخوف حجماً أكبر مما يستحق، ويُبقي المجتمع في حالة ترقب مرهقة تستنزف الأعصاب والموارد معاً.

إن العودة إلى الدوام الكامل، وفتح المؤسسات التعليمية، واستئناف النشاط الرياضي، وتسيير الرحلات الجوية، تمثل مكاسب استراتيجية متعددة، فهي تُفشل الأهداف النفسية للمعتدي، الذي راهن على شل الحياة، كما تعزز من حماية المنشآت، فالمرافق المأهولة أكثر يقظة وقدرة على الحماية.

واقتصادياً، فإن استمرار التباطؤ يرهق الدولة، ويضغط على القطاع الخاص، ويعطل المشاريع، بينما تمثل عودة الحركة، وفتح المطارات، واستئناف الأنشطة المختلفة، استعادة لشرايين الاقتصاد وتجسيداً حقيقياً للسيادة التي تُمارس بالحضور والعمل، لا بالانكفاء.

ندرك أن القلق شعور مشروع، وأن السلامة أولوية لا مساومة عليها، لكن القلق لا ينبغي أن يتحول إلى قيد يعطّل القرار، وكما امتلكنا شجاعة التعطيل في لحظة الخطر، يجب أن نمتلك اليوم شجاعة العودة، في ظل جاهزية كاملة ويقظة مستمرة.

اليوم يقف مجلس الوزراء أمام اختبار من نوع مختلف، الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة الحياة، والإجابة يجب أن تكون واضحة وحاسمة... نعم لعودة الحياة الطبيعية، تتويجاً للنصر، وترسيخاً للثقة، وحمايةً للوطن ومقدراته... حفظ الله الكويت وشعبها والمقيمين على أرضها من كل شر ومكروه.