منذ استقلال دولة الكويت في ستينيات القرن الماضي وهي تنتهج سياسةً عاقلةً وازنةً هادئة، عمادها التعاون والمشاركة والتبادل للمنافع مع مختلف دول العالم، وعلى رأسها دول الجوار الجغرافي المحيط بها، سواءً أكانت دولاً خليجيةً أم عربيةً أم إسلامية، وحرصت أشد الحرص على أن تكون بعيدةً عن الصراعات والنزاعات، وعن مختلف الأطماع، بل كانت على العكس تماماً، زرعت اسمها بحب، وأوصلت رسالتها بهدوء، فكانت هي الخير وهي يد الإنسانية، لتصبح بذلك كبيرةً بأدوارها، عظيمةً بأثرها وإرثها، قويمةً في سياساتها، وهذه المكانة الراقية جعلتها تشبه «الفاتيكان» في رمزية الحياد، و«موناكو» في الحضور الدولي، و«سنغافورة» في قدرتها على بناء نموذجٍ اقتصاديٍ ناجح يقوم على الإدارة الرشيدة.

وبالتالي لم نسمع أو نعرف بأنها كانت في يومٍ ما مصدر تهديدٍ لجيرانها، أو صاحبة مشروعٍ لزراعة الفوضى، وفرض النفوذ، بل اختارت منذ استقلالها أن تكون ساحةً للسلام، ومساحةً للوساطة، ومنصةً للحوار، وصوتاً للاعتدال في منطقةٍ تتنازعها الحروب والتوترات، ولكنها تعرَّضت خلال 65 عاماً من الاستقلال لموجاتٍ من الحقد، وسيولاً من التهديدات والابتزازات، وجبالاً من العناء والبلاء، كل ذلك أتى من أخٍ لم يخطر البتة أن تأتي منه الخيانة، ومن جارٍ لم يُتوقَّع فجوره وغِلَّه وحقده، فظلَّت عرضةً لتهديدات النِّظامين العراقي والإيراني منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بدءاً من الأطماع الإمبراطورية الإيرانية فيها، ثم تهديدات عبدالكريم قاسم بضمها، ومحاولة تصدير الثورة الإسلامية إلى أراضيها، ومن ثم كارثة الغزو العراقي في التسعينيات، ولم تتوقف رحى هذه الأطماع هنا فحسب، فمع دخول الألفية الجديدة برزت للأفق سلسلة من الخطابات العدائية، ذات النوايا المُريبة، وبالطبع مصدرها أطرافٌ من داخل العراق كتهديدات الحشد الشعبي، وفجور الحكومة العراقية ذاتها في ادعاء ما ليس لها من حدودٍ مائية، وآخر وأشد هذه الأطماع يتمثل في العدوان الإيراني الغاشم، والذي تجاوز الشهر، وهو يصب حممه ونيرانه عليها وعلى شقيقاتها من الدول العربية، ومن خلاله يتضح حجم العناء الذي لاقته بحقٍ وحقيقة في مواجهة أطماع الأخوة والجيران، ومن جراء الموقع الجغرافي مع هاتين الدولتين.

وصحيح أن عين الطمَّاع لا تملؤها إلا التراب، فهي تنظر للكويت بصورتها دولة صغيرة المساحة، غنية الموارد، ومستقرة الأوضاع، وبكونها دولةً ناجحةً بكل المقاييس، فهي استثمرت في الإنسان، في التعليم، في العمل المؤسسي، وفي دورها الإنساني خارج حدودها، ولذلك لم يرق لها هذا الأمر، فالنموذج الناجح يُحرج النماذج الفاشلة، ويجعلها تُعاني من نقصٍ بنيويٍّ وسياسيٍّ كبير، حيث يتساءلون: لماذا نجحت وفشلنا؟!

Ad

ولهذا حاولت بشتى الطرق استهدافها، وخلق خصوماتٍ معها، بالرغم من علمها الدقيق بأن الكويت ليست سبباً لذلك الفشل، ولا لمختلف الأزمات، بل هي على النقيض، والحقيقة هناك بون شاسع بين من يبني ومن يُبدد، كما أن الفارق الجوهري لا يتمثل بين دولٍ كبيرةٍ وأخرى صغيرة، بل بين من يختار البناء ومن يغرق في الهدم... وهنا يجب على كل طامعٍ أن يرفع عينه وأحلامه وأوهامه من كويتنا، وأن يمتثل للتعامل معها بنديةٍ كاملة، فمن أراد أن ينافسها فلينافسها في التنمية، لا في الدمار، وفي بناء الدولة، لا في هدمها.

* صحافي يمني