من دون عواطف جيَّاشة وشعارات رنانة، حسابات الدول ليست كحسابات الأفراد، لأنها أكثر تعقيداً وارتباطاً بالمصالح، خصوصاً الاقتصادية. وعليه، فإن لكل حدثٍ كبيرٍ غرفة عمليات تُعقد لمُتخذي القرارات والمُختصين بالموضوع المطروح، للتشاور واختيار القرار الأنسب. 

وفي الأحداث الجسيمة، كالغزو العراقي الغاشم لدولة الكويت، والذي وقع بشكلٍ مفاجئٍ وصاعق، كان من المنطقي أن تنتفض غُرف العمليات في الكثير من الدول، لاستيعاب تلك الصدمة. ولكن من المهم اختيار الموقف الصحيح، وألا يتأخر كثيراً، نظراً لأن هناك دولة نفطية مُسحت من الخريطة بالكامل، ودخلت في سطوة ديكتاتور لا يُجيد قراءة معطيات الساحة الدولية، لذلك سجَّل التاريخ مَنْ وقف معنا وأرسل قواته لتحرير الكويت، ومَنْ اختار الوقوف مع المُحتل، وأولهم الفصائل الفلسطينية، التي أدمنت، ولا تزال، الاصطفاف مع الطرف الخاسر. من تلك التجربة القاسية تعلمت أن مدة 48 ساعة كافية لاتخاذ الموقف الصحيح، خصوصاً أن بعض الأحداث لا تقع فجأة، بل تسير على وقعٍ بطيء حتى تشتعل. 

لكن من الواضح في الحرب الأخيرة على إيران، لم تدرس بعض الدول العربية في أي اتجاه تسير لو وقعت الحرب، رغم وجود مصالح متشعبة مع واشنطن ودول الخليج، بدليل ارتباك مواقفها، وهو ما انعكس فوراً على وسائل إعلامها ورأيها العام المنفلت، والذي غطَّى على إعلامها الرسمي. 

Ad

في الحرب الأخيرة على النظام الإيراني لم تطلب دول الخليج الست أي مساندةٍ عسكريةٍ من أحد، وأثبتت قُدراتها ومنظوماتها الدفاعية على التصدي، وبكفاءة عالية، للصواريخ والمسيَّرات القادمة من العدو الإيراني، والتي هي بالمناسبة تُعادل 5 أضعاف ما تم توجيهه صوب الكيان الصهيوني. 

ما كان مطلوباً، وهو أمر يسير وغير مُكلف، هو الإدانة الصريحة للهجمات الإيرانية التي استهدفت المنشآت النفطية ومحطات الطاقة وتحلية المياه والمباني الحكومية منذ الساعات الأولى لبداية الحرب. 

ما حصل هو العكس، ويتلخَّص في المشاهد الثلاثة التالية:

1- هيمنة حالة الفتور والضبابية على مواقف الكثير من الدول العربية. 

2- حصر الحديث عن العمليات العسكرية بين 3 دول فقط داخل الصندوق الإعلامي، وجعل كل ما يحصل خارجه حدثاً هامشياً تماماً.

3- انطلاق حملات تأييد واسعة للعدو الإيراني، رافقتها حملات مُستغربة مليئة بالشماتة والسُّخرية من دول الخليج ودرجة الأمان فيها. 

في الختام، تذكَّرت المثل الشعبي «شربت مروقها»، وهو كويتي خليجي يُوازي معناه مثل آخر هو «إذا فات الفوت ما ينفع الصوت». فبعد أن مرَّت الأيام والأسابيع، وزادت حصيلة الهجوم الإيراني على دول الخليج، كمَّاً، ونوعاً، وبدأت تداعيات إغلاق مضيق هرمز السلبية تؤثر على إمدادات الطاقة في العالم وكل القطاعات المرتبطة بها، كقطاع النقل والمواصلات، اكتشف البعض أنه اصطدم بالحائط، نتيجة مواقفه الفاترة، وتأخره المتعمَّد في مساندة دول الخليج بعد 48 ثانية من نزول صواريخ إيران على مُدنها وعواصمها، واكتشف أيضاً أن مستقبل العلاقات معها لن يكون كالسابق، ولكن كما قلت «شربت مروقها».