من الصعوبة التوصل إلى حساب دقيق للأرباح والخسائر في الحرب الدائرة حالياً بين إيران وأميركا ومعها الصهاينة، خصوصاً بعد نشر الخلافات حول اتفاق وقف إطلاق النار، وما إذا كان يشمل لبنان أم لا يشمله، ومدى السماح بنسبة معينة من التخصيب، ولكن لا بأس بكشف حساب أولي حسب ما أُعلن من معلومات رسمية أو شبه رسمية.
أكبر الخاسرين هي إيران التي خسرت مرشدها ومعظم قياداتها الدينية والنووية والعسكرية والثورية وأسطولها ومعظم منصات صواريخها وتأخر برنامجها النووي، إلى ما شاء الله، كما خسرت خلاياها الخليجية، وتم تدمير «حزب الله»، وهو أكبر حلفائها، وكل ذلك بسبب سياستها وأهدافها المعلنة وتدخلاتها ومذابحها في سورية وهياطها عن قوتها المزعومة وتصدير ثورتها.
وأكبر الرابحين هم الصهاينة، ونتنياهو بالذات الذي أقنع ترامب بشن الهجوم على إيران، ودمّر ما شاء له أن يدمّر في إيران، وهرب من المساءلة القضائية، وتفرّغ للهجوم على لبنان والعبث في القدس والضفة، وحقق أغلبية شعبية داخل إسرائيل، وكانت خسائر الكيان البشرية والمادية من الصواريخ الإيرانية طفيفة ودفعت أميركا له كل التكاليف المالية والعسكرية.
أما أميركا فحققت بعض أهدافها بتدمير الكثير من القوة الإيرانية، ولكن لا يمكن القول إنها حققت كل أهدافها، لأن ترامب قام بتغييرات كبيرة في هذه الأهداف خلال الحرب، فمن الهدف المعلن بالقضاء على الأسلحة النووية، وإضعاف القوة الصاروخية التي تهدد إسرائيل فقط، إلى هدف تغيير النظام في إيران وإلى فتح مضيق هرمز (الذي كان مفتوحاً قبل الحرب)، وإلى خطف النظائر المشعة ثم إلى إعادة إيران إلى العصر الحجري، وإلى ضرب الجسور ومحطات القوى والإبادة الجماعية، والأخيرة هي جريمة بالإجماع حسب القانون الدولي، كما خسر ترامب أحد أهم أهدافه بقطع الطريق على خطط الصين بإعادة طريق الحرير التاريخي، ولم ينجح حتى الآن بتغيير النظام الإيراني، كما أن هذه التطورات وارتفاع سعر البترول والتضخم أدت إلى تراجع شعبية ترامب والهجوم الشديد عليه داخل أميركا، ومن المتوقع أن يخسر الجمهوريون أغلبيتهم في الانتخابات المقبلة، كما خسر ترامب بعض حلفائه من العرب والأوروبيين بسبب بذاءة لسانه، فقد سَخِر من ماكرون وزوجته، ووصف بريطانيا بالغباء، واستهزأ بكبار القادة العرب والخليجيين، وأخيراً سَخِر من قوة الدفاع الكويتية.
أما دول الخليج، فقد أُقحمت في هذه الحرب دون إرادة منها، وأعتقد أن أيدي الصهاينة وخططهم ليست بعيدة عن هذا الإقحام، فتعرضت لقصف عدائي من إيران على منشآتها، كما تضررت من إغلاق مضيق هرمز ففقدت الكثير من إيراداتها، وسيؤدي إصلاح منشآتها وإعادة بناء أجهزتها العسكرية إلى استهلاك كثير من إيراداتها في المستقبل، وأعتقد أنها لن تحصل على تعويضات من إيران بعد الحرب، لأن روسيا والصين ستستخدمان «الفيتو» في مجلس الأمن كما استخدمتاه قبل أيام ضد قرار فتح «هرمز» بالقوة، وذلك أن روسيا والصين تريدان الحصول على كل الإيرادات الإيرانية في مرحلة بناء إيران بعد انتهاء الحرب، ولا أستبعد أن يقوم ترامب والساسة الأميركان بتعويض نفقاتهم وخسائرهم الحربية بأخذها من دول الخليج بحجة «أننا حميناكم من إيران».
ومن خسائر دول الخليج أيضاً استغلال المرجفين فيها إشاعة أن إسرائيل صديقة، وأنها لم تستخدم القوة ضد الخليج على عكس إيران، ومطالبتهم ببجاحة وبقلة عقل ودين بالتطبيع معها، كما أشاع المرجفون أيضاً أن كل الإسلاميين وقفوا ضد الخليج أثناء الاعتداءات الإيرانية وهذه رغبة منهم في ضرب التيار الإسلامي، رغم أن كثيراً من التجمعات الإسلامية وقفت مع الكويت لأنها علمت الحقيقة الإيرانية خصوصاً بعد ما فعلته في سورية وغيرها.
وأرى أن أهم دروس هذه الحرب هو الأخذ بالعلوم الحديثة والتكنولوجيا في كل المجالات خصوصاً العسكرية، فعلى دولنا العربية والإسلامية الأخذ بالعلم الحديث، إضافة إلى التوكل على الله تعالى والاعتماد عليه ثم على أنفسها بالمشاركة الشعبية بدلاً من الاعتماد على الأمم الأخرى، وبذل كل الأسباب الشرعية والمادية لتحقيق عزتها وكرامتها واسترجاع حقوقها ومقدساتها.