بعد هذا البناء المتدرّج في وصايا لقمان، لا يكون المقصود مجرد الفهم، بل النظر في أثر هذا الترتيب: ماذا يصنع هذا التسلسل في الإنسان؟ يبدأ بالتوحيد، ويليه البرّ، ويتبعه الثبات، ثم المراقبة، وتأتي الصلاة، ويظهر أثرها في المعروف، ويُصان بالنهي عن المنكر، ويُختبر بالصبر... وينتهي بالتواضع.

تسع وصايا... لكنها طريق واحد. التوحيد، به تتّجه الحياة ويستقيم ما بعده. لا يكون التوحيد مجرد قول، بل تصحيحاً للبصيرة، ألا تُخدع بالظاهر... وأن تُسلّم فلا تتّهم، فترى الأمور على حقيقتها لا كما تُصوّرها لك الظنون. فإذا استقامت العقيدة استقامت النفس.

Ad

ثم يأتي البرّ وهو من أعظم الخير، وأثقل ما يُظهر صدق هذا التوحيد في واقع الإنسان، ثم الثبات ولا يكون إلا بقوة اليقين، فمن لا يقين له، لا ثبات له، واليقين ثمرة ما بُني في الأصل.

ثم المراقبة وهي الورع، أن يكون الإنسان ثابتاً في خلوته كما هو في علانيته، لأن توجهه لم يعد للناس، بل لله سبحانه.

ثم الصلاة لتبقى الصلة قائمة، لا فكرة تُحفظ، بل ارتباط يتجدد.

ثم يظهر الأثر في الخارج: في المعروف الذي يُفعل، والمنكر الذي يُترك.

ثم الصبر، لأنه لا طريق بلا ابتلاء، وما يصيب الإنسان إنما يدركه ليُختبر فيه، ومع لزوم الصبر ودوام الشكر... تزداد النّعم وتُدفع المحن، حتى يبلغ التواضع وهو رأس العقل، به يُحفظ كل ما سبق.

هذا الترتيب ليس جمعاً لوصايا متفرّقة، بل بناء متكامل يبدأ بتصحيح الأصل، ويهذّب الباطن ويظهر أثره في الواقع، ثم يُحفظ بالصبر، ويُصان بالتواضع.

فلو اختلّ أوله، اختلّ الطريق... ولو استقام... استقام ما بعده.

اللهم اجعلنا من أهل التوحيد والثبات، وممن يستقيم باطنهم ويظهر أثره في حياتهم، وارزقنا العمل بوصايا كتابك الكريم، وأن ننشئ أبناءنا عليها نشأةً صادقة... أيها اللطيف الخبير... برحمتك يا أرحم الراحمين.