لطالما ساد اعتقاد بأن الفن والمؤسسات الثقافية مجرَّد أدوات ثانوية أو كماليات نحجز لها ونحضرها كرفاهية، لكن الواقع يقول إن الفن هو ركيزة أساسية لا تقل أهمية عن السياسة في إيصال الرسائل والتعبير عن الشعوب، خصوصاً في أوقات الحروب والمِحَن، حيث يُصنَّف على أنه «قوة ناعمة» قادرة على إيصال الرسالة بشكلٍ أسرع وأفضل من بعض الخطابات الرسمية. وحقيقة، إن الفن ضرورة ووسيلة نكسر بها روتين الأخبار المشحون.
وبالحديث عن دور الفن كقوةٍ ناعمة، لا يمكن أن ننسى تجربة الكويت عام 1990 إبان الغزو العراقي الغاشم علينا، حيث كانت قِصة دار الآثار الإسلامية ومجموعة الصباح الآثارية خير مثال، فبعد أربعة أيام فقط من الغزو، افتتحت الدار معرضاً فنياً في روسيا بعنوان «الفن الإسلامي ورعايته- كنوز من الكويت» في متحف الهيرميتاغ العريق.
هذا التواجد الثقافي في قلب الصِّراع أوصل رسالة صمود قوية، ونقل قضيتنا إلى قلب مراكز القرار العالمي، حيث كان الغرب والشرق يظنون أن الكويت مجرَّد صحراء ونفط، لكنهم -من خلال المعرض الفني، والمشاركة العالمية- استوعبوا أن الكويت تحمل فناً وإرثاً فنياً، وليست مجرَّد دولة نفطية نامية! وقد ساهم ذلك في كسب تأييدٍ دوليٍ واسع، بما في ذلك كسب أصوات داخل الكونغرس الأميركي. لهذا أُطلق عليها لقب «سفير الدبلوماسية الثقافية الكويتية».
في عام 1956، إبان الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، كانت أميركا تعيش صراعين: «الحرب الباردة» مع الاتحاد السوفياتي، و«العنصرية» في الداخل. فاستخدمت الحكومة الأميركية فكرةً عبقريةً، حيث قرَّرت الخارجية الأميركية إرسال كبار فناني الجاز (مثل لويس أرمسترونغ ودوق إلينغتون) في رحلات حول العالم، خصوصاً للدول التي كانت تتردَّد في الانحياز لأميركا.
واختارت الجاز تحديداً، لأنه يعتمد على «الارتجال» والحُرية، وهي الرسالة التي أرادت أميركا إيصالها للعالم: «نحن نمثل الحُرية والديموقراطية». وبذلك ضربت عصفورين بحجر، كسب دعم، وحل مشكلة العنصرية، حيث كان معظم هؤلاء الفنانين من أصحاب البشرة السمراء الذين يعانون التمييز في بلدهم، لكن بوجودهم على المسارح العالمية كسفراء، أظهروا للعالم وجهاً مختلفاً عن أميركا، وساهموا في تحسين صورتها الذهنية أمام الدعاية السوفياتية. والنتيجة أن هذه القوة الناعمة نجحت في بناء «جسورٍ ثقافية» بمناطق لم تصل إليها الدبلوماسية الرسمية، وأصبح الجاز رسالةً عالميةً تعبِّر عن التحرُّر والتمرُّد على الواقع الصعب.
وهنا يجب أن تتغيَّر نظرتنا للفن اليوم، وألا نغلق مؤسساتنا الفنية والثقافية، لأن هذا وقتها، فالفن هو أساس يجب أن نزرعه في أطفالنا وطلابنا وشعبنا، وغالباً لغة الفن أكثر فصاحةً من كل لغات السياسة.
بالقلم الأحمر: الدور الثقافي والفني يُكمِّل الدور الدبلوماسي والسياسي.