لم يعد المشهد يحتمل التجميل أو التبرير. ما يحدث اليوم تجاوز حدود الأعراف الدبلوماسية، ولامسَ صميم الكرامة الوطنية. أن تصل الأمور إلى حد قيام بعض السفارات برفع قضايا ضد مواطنين كويتيين، فهذا ليس إجراءً قانونياً عابراً، بل هو سلوك يحمل في طياته استخفافاً واضحاً بالدولة ومواطنيها.
السفارات لم تُنشأ لتكون خصماً للمجتمعات، بل جسوراً بين الدول. دورها تمثيلي، سياسي، يحترم سيادة البلد المضيف، لا أن تستغل وجودها لجرِّ المواطنين إلى ساحات القضاء.
حين تتحوَّل السفارة إلى جهة مقاضاة، فنحن أمام خللٍ خطيرٍ في ميزان العلاقات. لكن الكارثة الحقيقية ليست هنا فقط، بل في ازدواجية المشهد. دول تُقاضي مواطنين كويتيين بذريعة القانون، فيما تغض الطرف أو تتواطأ مع ميليشيات طائفية تمارس خطاباً عدائياً، وتُهدِّد أمن الكويت ليل نهار. أي قانون يُطبَّق هنا؟ وأي عدالة تُجزَّأ بهذا الشكل الفج؟ والأخطر، أن الاعتداء لم يعد مجرَّد خطاب أو تحريض.
يوم الثلاثاء الماضي، تم اقتحام القنصلية الكويتية في البصرة، وتم تمزيق العلم الكويتي في مشهدٍ مهين لا يمكن تفسيره إلا كاعتداءٍ مباشرٍ على سيادة الدولة. وهذه ليست حادثة معزولة، فقد سبقها اعتداء على السفارة الكويتية في بغداد، من دون أن نرى ردعاً حقيقياً يُوقف هذا التمادي. ثم تأتي المفارقة الصادمة: في اليوم التالي، تتحرَّك سفارة تلك الدولة نفسها لرفع قضايا على مواطنين ومواطنات كويتيين، مُطالبةً بتطبيق القانون! أي قانون هذا الذي يُستخدم على طرف، ويُعطَّل على طرفٍ آخر؟ كيف يُحاسب المواطن الكويتي على رأي، فيما تُنتهك بعثاته الدبلوماسية من دون حساب؟
الصمت الرسمي هنا ليس حياداً، بل هو ضعف مكلف. صمت وزارة الخارجية في مثل هذه اللحظات الحساسة يبعث برسالةٍ خطيرة، مفادها أن المواطن قد يُترك لمصيره، وأن كرامته ليست أولوية عاجلة.
والأسوأ، أن سفارات الكويت في تلك الدول لم تُظهر موقفاً حازماً يُوازي حجم الإهانة أو يردع تكرارها.
الدولة التي تحترم نفسها لا تساوم على كرامة مواطنيها، ولا تقبل أن يُعاملوا كأطراف ضعيفة أمام بعثات أجنبية. المطلوب هنا ليس بيانات دبلوماسية باردة، إنما موقف واضح: رفض هذه الممارسات، ومُحاسبة التجاوزات، وتفعيل مبدأ «المعاملة بالمثل» لضبط هذا الانفلات.
«المعاملة بالمثل» ليست تصعيداً، بل استعادة للتوازن. فمن غير المقبول أن تُفتح أبواب القضاء ضد المواطنين، فيما تُغلق أبواب المساءلة أمام مَنْ يعتدي على سيادة الدولة. وإن كانت هناك خطوة أولى يجب اتخاذها، فهي الاعتراف بالخلل.
الاعتذار للمواطن ليس ضعفاً، بل هو تصحيح لمسار مُختل، ورسالة بأن الدولة تقف مع أبنائها، لا ضدهم.
اليوم، نحن أمام اختبارٍ حقيقي: إما دولة تحمي سيادتها ومواطنيها من دون تردُّد، أو دولة تُستنزف هيبتها بصمت. ولا شيء أخطر على الأوطان من صمتٍ في لحظة يجب أن يكون فيها الصوت عالياً وحاسماً.