في حين كانت المفاوضات التي استضافتها سلطنة عمان تشير إلى إمكانية التوصل لاتفاق يجمع الطرفين: الأميركي، والإيراني، حدث ما لم يكن بالحسبان، حرب فاجأت الجميع، واغتيالات طالت قيادات الصف الأول من النظام الإيراني، ودمار لمعظم المنشآت النووية والعسكرية والحيوية، وفي أقل من ساعة جاء الرد الإيراني سريعاً.
توسَّعت الحرب، لتشمل الفصائل التابعة لإيران، بفتح جبهتَي العراق ولبنان، واستمر القصف الإسرائيلي والأميركي بالتزامن مع القصف الإيراني وفصائلها على أميركا وإسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي.
تعرَّضت دول مجلس التعاون للنصيب الأكبر من الصواريخ والمسيَّرات الإيرانية والفصائل العراقية، رُغم أنها لم تكن طرفاً في الحرب، بل كانت الطرف الذي دعا إلى تغليب لغة الحوار وعدم استخدام القوة، بل إن الوساطة الباكستانية لم تكن لتنجح لولا الجهود التي بذلتها المملكة العربية السعودية، وقبلها سلطنة عمان وقطر، فضلاً عن سياسة ضبط النَّفس التي انتهجتها دول المجلس، من خلال الاكتفاء برد الهجمات التي تعرَّضت لها.
قد يكون التوصل إلى تسويةٍ سياسيةٍ تشمل منطقة الشرق الأوسط حلماً، في ظل وجود حالة عدم الثقة، وعدم شمول لبنان، فضلاً عن الشرخ الذي أحدثته إيران مع جيرانها- دول مجلس التعاون، من خلال استهداف منشآتها الحيوية والمدنية، ومحطات الطاقة، ومصافي النفط والغاز.
هذا الشرخ لا أظن أن شعوب دول مجلس التعاون قادرة على تجاوزه في المنظور القريب، بعد أن تجاوز المنشآت ومقدَّراتها الوطنية إلى الأرواح.
ما حدث خلال الأسابيع الماضية درسٌ يجب أن يكون بوصلةً جديدةً للتعامل مع إيران والعراق، وأيضاً في علاقتنا مع الدول الكبرى، كالولايات المتحدة الأميركية، وألا تكون دول مجلس التعاون خارج حسابات استقرار المنطقة.
في لغة السياسة ليس هناك أصدقاء وأعداء دائمون، لكن هناك مصالح مشتركة، والثقة المُطلقة والركون إليها ليس من الحصافة في شيء.
من خلال رصد التحليلات السياسية للتصريحات الرسمية للبيت الأبيض والحرس الثوري ورئيس وزراء الكيان يتبيَّن أن التوصل إلى اتفاق سلام دائم يكتنفه الكثير من الغموض، حيث تضاربت البيانات وادعاءات النصر من الجانبين، الأميركي، والإيراني، فيما الكيان الإسرائيلي لم يخفِ امتعاضه من مسودة الاتفاق التي وافق عليها الرئيس ترامب، والتي اعتبرها تشكِّل قاعدة أساسية للمفاوضات.
على الطرف الآخر، وبعد إعلان طهران وواشنطن وقف الحرب، بدا اتفاق وقف النار منذ الوهلة الأولى هشاً، وقد لا يصمد طويلاً، بسبب تنصُّل الطرفين من النقاط التي تم الاتفاق عليها بالفعل، فضلاً عن فصل جبهة إسرائيل ولبنان، حيث بقي لبنان يُواجه مصيره منفرداً أمام إسرائيل، التي صبَّت جام غضبها عليه بشكلٍ وُصف بالهستيري والإبادة الجماعية.
قبيل الساعات الأخيرة من نهاية المهلة الأخيرة التي حدَّدها الرئيس ترامب، سألتي ابنتي عمَّا سيحدث بعدها، فكانت إجابتي بعيدة عن التحليل السياسي إلى الحتمية الكونية، المتمثلة في قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).
في الأخير، يظل المضيق أحجية الاتفاق والمصالح.
ودمتم سالمين