نستخدم الأكواب والأواني البلاستيكية كما لو كانت جزءاً طبيعياً من يومنا، في المكتب، وفي المناسبات، ومع القهوة السريعة التي نأخذها على عَجَل. دقائق قليلة من الاستخدام، ثم تُرمى في أقرب حاوية، ويُغلق الموضوع. لا نسأل أين انتهت، ولا ماذا سيحدث لها بعد ذلك. المهم أننا تخلَّصنا منها وعاد كل شيء إلى طبيعته.
لكن ما نعتبره نهاية، هو في الحقيقة بداية. فالبلاستيك لا يختفي بمجرَّد أن نرميه. هو يبدأ رحلة أطول بكثير بعد أن يغادر أيدينا... رحلة تمتد لعشرات، بل مئات السنين. وخلال هذه الرحلة لا يبقى مادةً خاملة، بل يتحوَّل إلى عبءٍ مستمر على البيئة. يتراكم في البر، وينتقل إلى البحر، ويترك أثره على كائنات لا علاقة لها باختياراتنا اليومية.
طيور تلتقط قِطعاً بلاستيكية ظنَّتها طعاماً، وأسماك تمتلئ بطونها بما لا يُهضم، وسلاحف تبتلع الأكياس لأنها تشبه غذاءها الطبيعي، فتفقد قُدرتها على الأكل، وتموت ببطء. مشاهد تتكرَّر بعيداً عن أعيننا، لكنها نتيجة مباشرة لعادات نمارسها من دون تفكير.
الأمر لا يقتصر على الأكواب أو الأدوات- أكياس التسوق مثال آخر- نأخذها من المتجر، نستخدمها لدقائق، ثم نرميها بلا اكتراث. دقائق من الراحة تقابلها سنوات طويلة من الضرر. فالرياح تحمل هذه الأكياس إلى الصحراء أو البحر، حيث تبدأ دورة جديدة من الأذى. ما نُلقيه هنا قد يستقر في مكانٍ آخر، لكنه لا يختفي أبداً.
المشكلة أن البلاستيك لا يتحلَّل كما نفترض. هو لا يعود إلى الطبيعة، بل يتفتت. ومع الوقت ينقسم إلى جزيئات دقيقة جداً تُعرف بـ «الميكروبلاستيك». هذه الجزيئات الصغيرة تدخل أجسام الكائنات البحرية من دون أن تُلاحظ. تبتلعها الأسماك والروبيان والمحار، فتتراكم داخل أجسامها مع مرور الوقت، ثم تنتقل إلينا عبر الغذاء، أي أن البلاستيك يعود إلينا- لا في شكل كيس أو كوب- بل في صورة وجبة نضعها على موائدنا، ونقدِّمها لأطفالنا.
الأخطر من ذلك أن الميكروبلاستيك يعمل كإسفنجة للملوِّثات، فهو يمتص المواد السَّامة الموجودة في المياه، مثل: المعادن الثقيلة، والمبيدات، وبقايا الوقود، ومع الوقت تتحوَّل هذه الجزيئات إلى ناقلٍ صامت للسموم داخل السلسلة الغذائية، تبدأ من كائنٍ صغير، ثم تنتقل إلى أكبر، حتى تصل إلينا في نهاية المطاف... فقد تم رصد جزيئات ميكروبلاستيك داخل دم الإنسان، بل حتى داخل المشيمة.
فالجزيئات البلاستيكية الدقيقة التي تتطاير في الهواء تعود إلى الأرض مع المطر، ثم تتسرَّب إلى التربة والمياه الجوفية. نستخدمها لاحقاً في الزراعة والشُّرب، ونستهلك ما ظننا أننا تخلَّصنا منه منذ سنوات. البلاستيك لا يختفي، هو يدور في حلقةٍ مغلقة بين البحر واليابسة والسماء، ويعود إلينا.
على الهامش: «زهرة العرفج تنبت في القسوة وتزهر صموداً... ولأجل الصفوف الأمامية حماة العرين... كل الدعم».