أسست جامعة الدول العربية عام 1945 لتكون أول منظمة إقليمية، ورغم انضواء 22 دولة تحت لوائها، فإنها ظلت عاجزة عن تجاوز إخفاقاتها المتكررة أمام الأزمات الكبرى. وقد تحول العمل العربي المشترك إلى تجسيد حقيقي لمقولة «اتفق العرب على ألا يتفقوا»، حيث غلب الاختلاف على قراراتها، مما أفقدها القدرة على استثمار الثروات الاقتصادية والاستثمارات الهائلة في تحقيق تقدم تكنولوجي أو ثقل عسكري وسياسي جيو - استراتيجي، لتبقى الأمة مشتتة أمام التدخلات الأجنبية. 

وفيما يخص القضية الفلسطينية، يعكس المسار التاريخي تراجعاً في الفاعلية، فبينما كانت قمة الخرطوم عام 1967 ترفع شعارات الوحدة، جاء مؤتمر الرباط عام 1974 ليشكل نقطة تحول أدت إلى جعل القضية شأناً فلسطينياً منفرداً بعد إعلان منظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً. هذا المسار مهد لاحقاً لاتفاقيات ثنائية مثل «كامب ديفيد»، مما عمق تصدع الوحدة العربية وأصاب العقل العربي بالإحباط والجمود. وقد امتد هذا الانهيار ليشمل المؤسسات الإقليمية الأخرى، حيث فشلت اتحادات وتكتلات عربية عديدة وتعمقت الفرقة. ويظهر هذا العجز بوضوح في الأزمات المعاصرة، مثل الحرب في السودان التي اكتفت فيها الجامعة ببيانات الشجب التقليدية، وصولاً إلى المأساة في قطاع غزة حيث يسود صمت عربي مطبق يشبه «نوم أهل الكهف»، رغم فداحة الانتهاكات والمجازر التي يرتكبها الاحتلال. وبعيد اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية في 28 فبراير الماضي قصفت إيران دول الخليج العربية، إذ فاق ما أطلقته إيران على دول الخليج العربية ما أطلقته على إسرائيل بـ 4 أضعاف من صواريخ ومسيرات استهدفت البنى التحتية والمراكز الحيوية لدول مجلس التعاون الخليجي، وكانت مواقف بعض الدول العربية من ذلك بين متخاذل ومتذبذب، ولم تستطع الجامعة العربية تفعيل العمل الدفاعي العربي المشترك حيث اقتصرت مواقفها على الشجب والاستنكار. 

ومن المؤسف أن يأتي هذا القصور في وقت لم تدخر دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية جهداً في نصرة قضايا الأمة. وقد سبق أن خذلت جامعة الدول العربية دولة الكويت في أحلك أوقاتها، فلم تكن أول من أرسل قواتٍ للدفاع عنها حين هدّدها قاسم العراق، إذ سبقتها المملكة المتحدة إلى ذلك، ولم تكن أول من يشجب احتلال الكويت، إذ سبقتها منظمة الأمم المتحدة في ذلك أيضاً.  

Ad

ختاماً، يعيش المواطن العربي فجوة هائلة بين حلم «الولايات المتحدة العربية» والواقع الذي لا يقدم سوى الحروب والحدود المغلقة. ومع استمرار القمم العربية في طابعها «البروتوكولي» الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، تزايدت حالة عدم الثقة الشعبية بهذه الاجتماعات، وبدأ البحث عن نضال سياسي جديد يعبر عن طموحات الشعوب بعيداً عن مؤسسات أثبتت عجزها عن إنهاء المآسي الشداد في الوطن العربي.