خرج يونس عليه السلام من قريته مغاضباً قبل أن يؤذن له، ظناً منه أن العذاب نازلٌ بقومه لا محالة، وأنه قد أدّى الذي عليه، وأن الله لن يضيق عليه أو يلومه، فركب في سفينة مبحرة بقرب القرية، ولا يعلم أن حوتاً في أعماق البحر يترقّبه. 

لما مضت السفينة في لُجّة البحر اضطربت بمن فيها، وهاج الموج حتى خيف عليها الغرق فداخل القومَ فزعٌ لا يدفعونه بحيلة. الريح تدفع جوانب السفينة، والماء يصعد إليها. كانت السفينة في تلك الليلة تجسّد مدينةً صغيرة في حالة هلع: رجالٌ على خشب يتمايل، ووجوهٌ شاحبةٌ، وقلوب واجفة. الخوف هو السائد، والهمّ هو الرائد. استشعروا وكأنما غضب حل عليهم، فقالوا: «لعلّ فينا عاصياً أو عبداً آبقاً، فلنقترع» خرج اسم يونس مرة، فكذّبوا الصدّفة، ثم خرج في الثانية فكذّبوها أيضاً لأنه رجل صالح، ثم خرج في الثالثة فلم يعد في الإنكار متّسعٌ! وعرف يونس أنه هو المقصود، وأن هذا قدره فهام في صدره يقينٌ أن هذه إرادة الله، فلم يردّ، ولم يجادل، تقدّم إلى حافة السفينة، فإذا البحر يضطرب والموج يصفع الخشب صفعاً. فرمى بنفسه من السفينة، لكن ثمة فرقاً بين رميٍ يائس من الحياة، وبين رميٍ ساجدٍ مستسلم لربه، {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ}.

Ad

ثم هدأ البحر وسكن، وتلاشى الهلع الذي خلع القلوب، وكأنّما الأمواج توقفت لتشهد ما جرت به الإرادة الإلهية. والغريب هنا أن الذين تردّدوا في إلقائه ورفضوا، قد رأوا بعين الحيرة كيف انزاح الخطر بعد أن رموا بهذا «الرجل الصالح»! فالمشيئة الإلهية تجري بطرق لا يقرّ بها الظنّ. 

نقل بعضُ المفسرين آثاراً تفيد بأن الله أوحى إلى الحوت ألا يكسر ليونس عظماً ولا يمزّق له لحماً، وأنه ليس لك بطعام بل هو مسجون في بطنك.

دخل يونس في ظلمات ثلاث: ليلٍ وبحرٍ وجوف حوت. لا يسمع بشراً، ولا يبصر شيئاً، ظلام في ظلام، إن فتح عينيه أو أغمضهما سيان. وظنّ في أول الأمر أنه هلك، والظن الطبيعي يقول: هل ستكون هذه نهايتي ونهاية الرسالة؟ ثم تحسس نفسه، فوجد أنه يتنفس، وأن أعضاءه تتحرك، فعلم أن باب الرجاء لم يُغلق، رغم أنه محبوس في هذا التابوت الغائص في الأعماق.

وفي هذه الظلمات، وفي ذلك القبر الجوّال حيث ينفصل الاتصال وينقطع الزمن، لا حس لبشر أو خبر... لم يسمع شيئاً إلا تسبيح عالم البِحار... فخرج من قلبه الدعاء الذي جمع أصول النجاة، وسجلته السماء السابعة من أعماق البحار: ﴿لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. توحيدٌ وتنزيه واعتراف. لم يسأل الخروج أولاً، بل أصلح موقفه بينه وبين ربه، مجّده وعظّمه، وأقرّ بذنبه... ثم جاء الفرج {فَٱستَجَبنَا لَهُ وَنَجَّيناهُ مِنَ ٱلغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنـجِي ٱلمُؤمِنِينَ}.