مرت اقتصادات مجلس التعاون الخليجي بالعديد من الصدمات الاقتصادية السلبية، وعلى رأسها، على سبيل المثال لا الحصر، الانخفاضات المتعددة في أسعار النفط (كما في مارس 1986 عند انهيار سعر برميل النفط إلى 10.25 دولارات، وفي مايو 1994,14.78 دولاراً، وفي نوفمبر 1998,11.37 دولاراً، وفي فبراير 2016,32.74 دولاراً، وفي مايو 2020,35.57 دولاراً، وفي ديسمبر 2025، 57.26)، والغزو الخارجي (عندما تعرضت له الكويت عام 1990)، والانهيارات في أسواق المال الدولية وانعكاساتها محلياً (مثل الأزمة المالية الآسيوية، 1997 – 1998، والأزمة المالية العالمية، 2007 – 2008)، وأزمة وباء «كوفيد – 19»، في فبراير حتى أواخر عام 2021، ونتائج الحرب الأوكرانية ــ الروسية، 2022 حتى الآن، والصدمة الحالية على شكل إقفال مضيق هرمز، وتعرض كل بلدان المجلس لهجمات عسكرية خارجية على العديد من المرافق المدنية.
ورغم الضغوط على الموازين الجارية في موازين المدفوعات لدول المجلس، والتي قلما شهدت عجزاً، وتنامي ظاهرة عجوزات الموازنات العامة للدولة، فإن أسواق العمل العامة لم تضطر إلى تسريح العمالة المُواطنة، أو التوقف عن التعيينات الجديدة، مع ضغوطات متقلبة على طلب القطاع الخاص للعمالة، وعدم تآكل في مستوى الرفاه الاقتصادي لشعوب المجلس (المواطنون)، وعدم الانعكاس على انخفاض (مستدام) على العمالة الوافدة، ولا على انخفاض (مستدام) في تحويلات هذه العمالة، الأمر الذي انعكس إيجاباً على الوضع المعيشي للقطاعات العائلية المعنية في العديد من الدول العربية وغير العربية المرتبطة بهذه العمالة.
وهنا يثار السؤال: ما مصدر، أو ما مصادر، القدرة على امتصاص الأزمات Resilience، نسبياً، في بلدان المجلس، وعدم انعكاس هذه الأزمات، بشكل جوهري، على الأداء المجتمعي، والاقتصادي الكلي عموماً، ومعدلي البطالة، والتضخم، بشكل خاص؟. وذلك بالمقارنة مع العديد من البلدان الأخرى النفطية، والريعية أيضاً. وما يؤكد القدرة المرتفعة على امتصاص الصدمات الخارجية هو أن الكويت ومعها أربعة بلدان من مجلس التعاون تقع ضمن أفضل عشرة بلاد، من مجموع 142، في تحقيق أعلى رقم قياسي لامتصاص الصدمات Resilience Index.
حيث حققت الكويت رقما يبلغ 74 (الأرقام تتراوح بين 0 و100)، وكلما زادت القيمة دلّ ذلك على قدرة عالية في التكيف مع الصدمات: ويتضمن الرقم الإجمالي أربعة أرقام فرعية: للأفراد، والعوائل، والمجتمعات المحلية الفرعية، والمجموع الكلي للبلد. وحققت الكويت أعلى قيمة في المكونين الأخيرين: 80 و85، تباعاً. وللمساهمة في الإجابة عن التساؤل أعلاه، يمكن الإشارة إلى عدد من الإجابات، لعل من أهمها ما يلي:
أولاً: هناك تماسك اجتماعي واتفاق على العقود الاجتماعية السائدة في بلدان المجلس تاريخياً. ويتضح ذلك جلياً من خلال ارتفاع مراتب الرقم القياسي للتماسك الاجتماعي Social Cohesion الواردة في تقرير التنافسية العالمي لسنة 2025، من ضمن 69 بلداً (حيث احتلت الإمارات المرتبة 19، ثم قطر 35، والكويت 37، وعمان 46). وكلما زاد التماسك الاجتماعي ارتفعت قدرة البلد على استيعاب نتائج الصدمات واحتوائها.
ثانياً: تتمتع دول المجلس بما يسمى بالقوة الناعمة Soft Power (قدرة بلد معين بالتأثير على الآخرين من خلال الإقناع بدلاً من أساليب العنف. وأضيف لهذا المفهوم لاحقاً استخدام الاستثمارات الاقتصادية لخلق المزيد من الحلفاء). ومن المؤشرات المستخدمة لقياس القوة الناعمة عدد المراكز الثقافية بالخارج والعلاقات بنظيراتها الأجنبية، ومساعدات البلد المعني المقدمة للبلدان الأجنبية، والتراث الحضاري، والاتصالات والإعلام، ودعم المبادرات الدولية المختلفة، وغيرها.
ووفقاً للرقم القياسي للقوة الناعمة Global Soft Power Index (GSPI)، 2026، كانت ثلاثة بلدان من أعضاء دول المجلس: السعودية (55.9) والإمارات (59.4)، وقطر(54.9) ضمن أفضل 20 بلدا في الرقم القياسي للقوة الناعمة (0 – 100، القيمة الأعلى الأفضل).
ثالثاً: المصدّات المالية Fiscal Buffers، على شكل أصول الصناديق السيادية، والتي وصلت قيمتها في حالة صندوق أبوظبي، إلى حوالي 1.128 تريليون دولار، والثاني صندوق الكويت، 1.072 تريليون دولار، والثالث السعودية، 925 مليار دولار، وقطر 600 مليار دولار. علماً بأن قيم هذه المصدات تعادل أكثر من سبعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للكويت (760%)، وأبوظبي 670%، وقطر 280%، والسعودية 160%، وعمان 90%، والبحرين 80%. وهو الأمر الذي يعزز من القدرات المالية كأداة لامتصاص الصدمات الخارجية، وتكاليفها، في الأجل القصير، وربما المتوسط.
رابعاً: تساهم آليات ربط سعر الصرف Exchange Rate Pegs السائدة ببلدان المجلس في احتواء العديد من صدمات معدلات التضخم المستوردة. حيث يحوم معدل التضخم المرتبط بالتجارة الخارجية Tradable Inflation، حسب أرقام صندوق النقد الدولي، ضمن 1% كمتوسط لبلدان المجلس عام 2025، بفعل سياستي الدعم ومراقبة وتحديد الأسعار في العديد من السلع. في حين أن التضخم غير المرتبط بالتجارة الخارجية Non-Tradable Inflation يحوم حول أقل من 1%، لنفس العام لعدة أسباب منها السياسة النقدية المنضبطة، والإمكانيات المتاحة لاستغلال الطاقات الإنتاجية غير المستغلة، Output Gap إلى حد ما.
خامساً: ساهمت الخبرات التجارية المتراكمة، تاريخياً، في مختلف بلدان المجلس، والانفتاح التجاري، في تعزيز التعامل مع الاقتصاد الدولي أثناء الأزمات بكفاءة. وذلك يعود، بشكل أساسي، إلى استمرار واستقرارالمؤسسات المختلفة، وعدم تقلبها، واستقرار الشراكات الدولية، ودورها في تراكم الخبرات المرتبطة بالتكيّف وامتصاص الأزمات.
ختاماً فإنه لغرض استمرار القدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية الخارجية، في الأجل الطويل، فما زالت هناك حاجة للمزيد من الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية الهادفة للحدّ من أحادية الاعتماد على مورد طبيعي ناضب، ولمصلحة تنويع الاقتصاد على أسس مستدامة.
* مستشار اقتصادي