لدى المواطن «كاف» أخٌ معاق اسمه «لام». وُلد «لام» بعيون زرقاء كالسماء، وحدبة قاسية في عموده الفقري جعلت منه مسخاً يصعب النظر إليه. كان «لام» سريع البديهة، صاحب ابتسامةٍ أخَّاذة تُدخله إلى قلب كل مَنْ يعرفه. أحب «كاف» أخاه حُباً جمَّاً، وكلما توافرت لديه بعض الفلوس، اشترى له ألعاباً وقصصاً يُسلِّيه بها عن آلام جسده.

سمع المواطن «كاف» عن جرَّاحٍ فذّ، خبير في عمليات العمود الفقري، يعمل بتكنولوجيا حديثة، تشمل القنابل العنقودية، وجرعات من الفسفور السَّام، وغيرها من الابتكارات العجيبة، بحيث يحوِّل كل مسخ إلى إنسان حضاري، وسيم، مستقيم، كامل الأوصاف.

ذهب «كاف» وأخوه «لام» إلى عيادة الجراح الفذ. وأبلغتهما الممرضة أنه خلال بضع ساعات سيشهدان تحوُّلاً كاملاً في «لام»، ولن يتمكَّنا من التعرُّف عليه. بدأ «لام» بالبكاء، خوفاً من شدة العملية، فأخذ «كاف» يُواسيه، قائلاً: «لا تقلق يا أخي، ستُصبح إنساناً حضارياً مستقيماً، وسنحتفي بك».

Ad

دخل «لام» غرفة العمليات، وبدأ الجرَّاح الفذ بقطع جسده كقطعة حرير. صرخ «لام» من شدة الألم، وعمَّت ويلاته الليل، وارتجت المدينة. وبعد قليل، جاءت الممرضة تحمل كيساً أسود، وقدَّمته إلى «كاف»، قائلة:

- تفضَّل، أخوك.

- أين أخي «لام»؟

- في الكيس.

- أين أخي؟

- في الكيس.

فتح «كاف» الكيس، وظهر أمامه رجل طويل القامة، أزرق العينين، بهيّ الملامح. نط «كاف» فرحاً، وهمَّ أن يقبِّل أخاه ويهنئه بالسلامة، إلا أن الرجل الطويل قال له: «كنتُ أخاك (لام) الأحدب المشوَّه، وقدَّمتني قُرباناً لسكين الجرَّاح الفذ ليُعالج إعاقتي ويُصحح آفتي. لم تفعل ذلك لأجلي، بل لأنني كنت عبئاً عليك، أُسبب لك إحراجاً في حياتك التعيسة وأُعوق مساعيك التافهة».

فأمسكه من عنقه، ورفعه عن الأرض، قائلاً: «يبدو لي أنك أنت أيضاً تعاني إعاقة غير مرئية، وستستفيد من عملية جراحية على يد الجراح الفذ. تعال لنربطك على طاولة العمليات. يا ممرضة! آتيني بالمخدِّر لنحوِّل (كاف) المتخلف إلى إنسان حضاري مستقيم مثلي».

وربطه على طاولة العمليات، وسمع «كاف» خطوات الجرَّاح الفذ تتقدَّم نحوه، ورأى السكين في يده تلمع، وعندها فهم أن الدور قد جاء عليه، وأن هنا- في عيادة الحضارة- سكين الجرَّاح الفذ لا يفرِّق بين المريض...

والمرافق... 

وعويّر...

 وزويّر... 

والمنكسر اللي ما فيه خير.

* كاتب ومخرج مسرحي