وقف إطلاق النار بين أميركا وإيران والكيان الصهيوني لابد أن نسجل بشأنه ما يلي:
- إن الحرب خلال الأربعين يوماً أوجدت شرخاً في العلاقة بين إيران ودول المنطقة، والخليج تحديداً، وستورّث حالة من التوترات المستمرة فترة لا يعلمها إلا الله، لانعدام الثقة وانكشاف أمور كامنة، سواء كانت حقداً أو كراهية أو عقدة انتقام من إيران تجاه دول الخليج. وسيترك ذلك الشرخ آثاره على الوضع المستقبلي للعلاقات القائمة بالمنطقة، لتكون في حالة توتر وانعدام ثقة.
- إن حالات التدمير الواسعة في البنية التحتية لدول الخليج وموارد الطاقة وبعض المباني والمرافق فيها ستكون سبباً لنزع الثقة من إيران، ولغرس عداء كامن قد يقفز إلى السطح في أي لحظة، مما يتطلب نظرة ثاقبة للسيطرة عليه واحتوائه حتى لا يكون قنابل موقوتة تقود المنطقة لصراع، كما يرغب الكيان الصهيوني وربما أميركا.
- إن حصول دول الخليج على تعويضات من إيران لما لحقها من دمار في الطاقة وموارد الكهرباء والمياه وغيرها وبعض الأضرار للأفراد والشركات سيكون ملفاً ساخناً وسبباً للتوتّر، وربما يتطور- إن لم يتم احتواؤه- إلى نزاع، وهو ما يريده الأعداء لمنطقتنا. وقد تدعو بعض الأطراف إلى إصدار قرار من مجلس الأمن بدفع إيران تعويضات لمصلحة الدول المتضررة خصوصاً الخليجية، وربما يكون ذلك سبباً لزرع فتيل نزاع مستقبلي بين دول الخليج وإيران، ويتحوّل لحرب باردة، وهو ما ينبغي احتواؤه والسيطرة عليه لمنع هذا القرار، والبحث عن سبل أخرى تحقق المراد دون الدخول في مسار خطير ينتج حرباً.
- قرار وقف إطلاق النار ربما يؤدي إلى وقف الحرب، مما يستدعي نظر كل الخسائر الناجمة عنها، فالكيان الصهيوني حقق أحد أهدافه منها بجعل دول المنطقة في حالة تصادم، فحين تنسحب أميركا من الحرب ويوقف الكيان الصهيوني دوره فيها فستصبح بؤرة الصراع والتوتر قائمة بين الدول الخليجية وإيران، وهو ما أراده الكيان الصهيوني وربما أميركا من خلفه، لاستنزاف المنطقة وتدمير قدراتها للهيمنة عليها.
- الأمر يستحق التشاور بين الدول العربية ودول الخليج تحديداً مع إيران وبضمانات باكستانية وربما تركية، لاتفاق يؤدي إلى آلية تعوّض بموجبها دول الخليج عما لحقها من أضرار توافقياً، ووضع ضمانات لعدم تكرار العدوان الإيراني على دول الخليج لأي حجة أو ظرف، وبآليات وإجراءات منضبطة.
- ينبغي أن تبحث دول الخليج بصورة حاسمة إنهاء أذرع إيران في المنطقة عاجلاً، وخصوصاً العراقيين المنخرطين في ميليشيات تابعة لإيران، بآلية تكون لباكستان وتركيا دور فيها ويكون للعراق الدولة دور فيها لوأد الفتنة الداخلية بإنهاء الميليشيات ونزع سلاحها وربما تكون بمشاركة أميركية ودولية، وكذلك الوضع بالنسبة للميليشيات الحوثية التي لا تزال تشكل تهديداً لدولنا، فهاتان الذراعان ينبغي التعامل معهما بجدية لنزع حالة الصراع المستقبلي والآثار الجانبية واستمرار المناوشات بمسيّرات كانت تُرسَل من العراق خلال الحرب.
- لا شك أن لبنان هو ضحية للحرب، فحالة النزوح والهدم والنزيف القائم لن تندمل بسهولة وتستوجب لجم «حزب الله»، بالتزامن مع إنهاء تواجد الكيان الصهيوني في لبنان، وانسحابه بترتيب مع الولايات المتحدة إلى ما قبل 28 فبراير 2026، وإنهاء احتلاله لجنوب لبنان اليوم، حتى لا يحقق غاياته التوسعية، وهذا أمر ملّح.
- أما الملف الشائك فيتعلق بإعادة بناء إيران المسالمة والمهذبة واللا ثورية، لإيقاف نهج تصدير الثورة، وهو يعني تغيير بنية النظام السياسي، مع رقابة صارمة على إيران وتسلّحها وتطوير قدراتها لمنع تهديداتها لدول الخليج بطريقة مبرمجة ومنضبطة، فلئن كانت الحرب الحالية تهدّم فيها العديد من قدرات إيران العسكرية والصاروخية، فإنها ربما تكون سبباً لإعادة بنائها على نحو أقوى إن لم تُقيّد، وستكون مدخلاً لحرب قادمة أشرس من الحالية ما لم يتم التحوّل في النظام الإيراني إلى نظام أكثر اعتدالاً وأكثر تعايشاً مع دول المنطقة وخالٍ من التسلح العدائي، مع وجوب قطع صلاته بالأذرع التي زرعها بالمنطقة بصورة كاملة وإنهائها بوقف دعمها مالياً وسياسياً وعسكرياً.
هذه خطوات مهمة لنزع فتيل وتداعيات الحرب وآثارها التي عشناها أربعين يوماً، ولا شك أن الأخطر هو أن تنتهي الحرب في إطارها الذي هدف إليه الأميركيون والكيان الصهيوني وتبقى بؤرة الصراع والتوتر والانزلاق لحرب أخرى بين دول المنطقة مع إيران تكون قنابل موقوتة تفجّر النزاع مستقبلاً.