تشهد العلاقات الفرنسية - الإسرائيلية تدهوراً جديداً نتيجة مواقف الحكومة الفرنسية من الحرب الجديدة في الخليج التي دخلت شهرها الثاني. فقد رفضت السلطات الفرنسية عبور طائرات عسكرية أميركية الأجواء الفرنسية، وكانت تحمل هذه الطائرات تجهيزات وذخائر لجيش الاحتلال الإسرائيلي. وجاء هذا القرار الفرنسي ليزيد أيضاً من توتر العلاقات الفرنسية - الأميركية، فسلطات البيت الأبيض غير راضية عن مواقف الحكومة الفرنسية وعدم تعاونها مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بحرب الخليج.
ولم يقتصر تدهور العلاقات الفرنسية - الإسرائيلية على حظر مرور الطائرات العسكرية - الأميركية الأجواء الفرنسية، بل وصلت الأوضاع لدرجة وقف السلطات الإسرائيلية لجميع مشترياتها العسكرية من فرنسا، وهو ما يعكس أيضاً الخلافات التي نشأت بين الدولتين منذ أن اتخذ الرئيس الفرنسي قراره الشجاع والمنصف بالاعتراف بدولة فلسطين العام الفائت القرار الذي لم تتقبله دولة الاحتلال الإسرائيلي، بل ذهبت باريس أبعد من هذا الاعتراف حين دعت لفرض قيود على صادرات الأسلحة إلى إسرائيل خلال حرب غزة، إضافة إلى استبعاد شركات دولة الاحتلال من المشاركة في المعارض الدفاعية المقامة على الأراضي الفرنسية.
ولابد أن نذكر بأن السياسة الفرنسية الحالية هي امتداد لسياسات فرنسية انتهجها مختلف رؤساء الجمهورية الفرنسية بدءاً من الجنرال شارل ديغول ومروراً بالرئيس جاك شيراك. ونذكر كيف أن الجنرال ديغول أوقف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل بعد حرب عام 1967 وبعد الاعتداءات الإسرائيلية على مطار بيروت، وبقي هذا القرار ساري المفعول بعد تنحيه عن الحكم عام 1969، ولم يجرؤ خليفته الرئيس جورج بومبيدو على القيام بإلغاء هذا القرار. ونذكر أيضاً كيف صرخ الرئيس شيراك غاضباً حين حالت قوات الأمن الإسرائيلية بينه وبين التواصل بشكل مباشر مع الشعب الفلسطيني في شوارع القدس في يناير 1996.
من حق فرنسا كدولة أوروبية، ودولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أن تكون لها سياسة خاصة تميزت بها في العديد من مراحل تاريخ الجمهورية الخامسة، وتعاقب مختلف الرؤساء عليها. وتشكل المواقف السياسية الفرنسية اليوم امتداداً لما سبق أن عايشناه منذ أيام الجنرال شارل ديغول ومروراً بمواقف الرئيس جاك شيراك. ولكن لم تكن سياسيات الرؤساء الذين وصلوا لقصر الإليزيه لاحقاً بنفس الزخم والحماس للقضية الفلسطينية. ويحاول الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون، الذي يمضى سنته الأخيرة رئيساً لفرنسا، انتهاج سياسة تسعى، ومنذ سبعة عقود، لأن تكون متوازنة آخذة بعين الاعتبار مصالح فرنسا وأيضاً أوضاع دول منطقة الشرق الأوسط، التي تواجه في هذه الأيام تحديات كبيرة في المجالات السياسية والاقتصادية والمالية، في وقت لا تزال فيه القضية الفلسطينية ومأزق قطاع غزة واعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية من مواضيع الساعة علماً أن منطقة الشرق الأوسط، وبالذات منطقة الخليج العربي التي لها النصيب الأكبر من الاعتداءات الإيرانية، هي من المواضيع الأساسية والحيوية التي يجب أن تحظى اليوم بالأولوية بقصد وقف هذه الاعتداءات، وفتح الممرات المائية وعودة الملاحة العادية سعياً لما يحرص عليه المجتمع الدولي من حفظ للسلم والأمن الدوليين.
* أكاديمي وكاتب سوري مقيم بفرنسا