يتساءل الناس: أين الجامعة العربية مما يحصل في الخليج؟ ولماذا لم نرَ تحرُّكاً من الأمين العام يتناسب مع حجم الكارثة والتهديد الإيراني؟

ليس صعباً على أي مُراقبٍ أن يشخِّص مرض هذه الجامعة، والأمراض التي تُعانيها أو تفتك بها. لم يبقَ لدى بعض المحللين شيء للتندُّر على وضع الأمين العام، الذي انتهت صلاحيته، سوى تقديم جردة حساب للمكافآت المالية المخصصة له، وهي بحدود 7 ملايين دولار سنوياً، باستثناء السفريات والانتدابات.

أما ما يخص جنسية الأمين العام الذي يتم اختياره لهذا المنصب، فهذه الوظيفة تعود لدولة المقر، وهو عُرف استقرَّت عليه الجامعة، وقبلت به الدول الأعضاء، كتكريمٍ لمصر ولوزنها الإقليمي.

Ad

ربما أفضل من أجاب عن هذا التساؤل هو رئيس وزراء اليمن لأربع دورات محسن العيني ومرشح اليمن ضد عمرو موسى، عندما أُبلغ بخبر سحب اسمه من قائمة المنافسة، وتزكية عمرو موسى، بقوله: أنا سعيد جداً، لأن كابوس ترشيحي انتهى على خير.

الاستثناء الوحيد حصل في تاريخ الأمناء العامين كان اختيار الشاذلي القليبي عام 1979 كأول أمين عام غير مصري، بعد انتقال مقر الجامعة إلى تونس، إثر زيارة السادات إلى القدس، وعقد معاهدة الصلح مع إسرائيل.

عادت الجامعة إلى بيت العرب من جديد، وأُعيد التوافق على عصمت عبدالمجيد لتولي الأمانة العامة، فما الذي تغيَّر؟ هل المشكلة في شخص الأمين العام، أم المسألة أبعد من ذلك؟

الحقيقة أن الأمين العام صورة مصغَّرة عن مكانة الدولة المقر وقوتها الإقليمية، فعندما كانت مصر تقود العالم العربي، لا سيما في عهد جمال عبدالناصر، كانت الجامعة وأمينها العام يعكسان هذا الدور، لكن عندما تتراجع دولة المقر ويضعف دورها ينعكس ذلك على صورة الأمين العام، فيتحوَّل إلى ساعي بريد بين الأفرقاء المتخاصمين، وبين هذا وذاك يمكن استحضار مشهدٍ جماعي أو أكثر بالتوافق بين أقطاب العرب بتكليف الجامعة وظيفة ما، مثل تشكيل قوات الردع العربية في لبنان عام 1976، أو ظهورها عام 1990 كمركزٍ إقليمي، يوم دعا الزعيم حسني مبارك قادة العرب ليتبنوا موقفاً مؤثراً، برفض احتلال الكويت من قِبل صدام حسين.

تقودنا المقارنة بين مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل ومقر الجامعة العربية بميدان التحرير إلى القول إنه في أوروبا القوة ليست في الأمين العام، ولا في الوجوه المتغيِّرة على رأس المؤسسات، بل في القواعد والالتزامات التي لا تُكسر. هناك الفرد أو الشخص عابر، أما المؤسسات فباقية، وعندنا كثيراً ما يُختزل العمل المشترك في الزعيم والشخص.

بين بروكسل والقاهرة فارق حقيقي، ليس في المبنى والحجر والشخص، بل في المعنى. هناك سُلِّم القرار لمنظومة ملزمة للجميع، فصار القرار المشترك أقوى من التفرُّد والانقسام في الرأي.

لم نستطع أن نُبلور ونُشكِّل مؤسسات قادرة على الإلزام، فبقيت الجامعة إطاراً شكلياً يتم فيه جمع الصوت من دون أن نلتقي حقاً على قرارٍ جماعي مُلزم يتم فيه توحيد الاتجاه.

هناك، في قلب الاتحاد الأوروبي، لا يتكئ المشروع على زعيمٍ أو أمين عام.