في ظل هذه الأمواج المتلاطمة التي تعصف بمنطقتنا من آثار الحرب الأميركية- الإيرانية، يبرز هذا التساؤل الذي يطرحه البعض إما بحسن نية ويردده آخرون بسوء نية: «هل تخلى الكويتيون عن القضية الفلسطينية؟»، والإجابة تكمن في الوعي الشعبي الكويتي الذي يرفض المقايضة بين «عدالة القضية الفلسطينية» وبين «الأمن الوطني الكويتي»، فقد أثار التصريح الأخير لـ «أبوعبيدة»، الذي أثنى فيه على قادة النظام الإيراني موجة عارمة من الاستياء الشعبي في الكويت بمختلف الأطياف، وهذا الاستنكار لم يكن تراجعاً عن إيمان الكويتيين بالثوابت والمبادئ، بل كان وقفة حازمة ضد «نكران» جراح الكويتيين الذين يعانون من اعتداءات وأعمال تخريبية نسبت لهذا النظام الإيراني وأذرعه، والتي طالت منشآت حيوية كالمطار ومحطات التحلية والتأمينات، وروعت الآمنين، وتسببت في مقتل جنودنا وأبرياء آخرين، فلقد توحّد الشارع الكويتي في رسالة واضحة للمقاومة: «لا تجعلوا من ثنائكم على من يتربص بنا سوءاً خنجراً في خاصرة محبيكم»، فالحق لا يتجزأ، وتلميع من يزعزع استقرار الخليج يضع فجوة بين المقاومة وعمقها الشعبي الصادق.

ومع هذا العتب المستحق، لا يملك كائن من كان أن يزايد على دور الكويت، فهي الدولة التي لم تتلوث يدها بالتطبيع، وظلت صخرة تتحطم عليها كل مشاريع التصفية، ويشهد التاريخ لـ «كويت الإنسانية» بمحطات مفصلية، فهي التي احتضنت النواة الأولى لحركة «فتح»، والعمل الفدائي في الستينيات، وهي التي سنت قوانين تجريم التعامل مع الكيان الصهيوني بصلابة منقطعة النظير، وصولاً إلى دورها الإغاثي والسياسي المعاصر الذي يجعل من غزة والقدس شأناً كويتياً داخلياً لا يقبل الجدل، وإن هذا الدعم المتأصل في الهوية الكويتية ليس منةً، بل هو عقيدة سياسية وأخلاقية تتجاوز التصريحات العابرة، لتؤكد أن الكويت تفرق بوعي ناضج بين قدسية القضية وبين التحفظ على تحالفات المقاومة التي تضر بمصالح العرب ككل.

وإننا اليوم نبعث برسالة أخوية إلى الداخل الفلسطيني، آملين ألا يغلبوا البراغماتية السياسية على حساب أشقائهم الكويتيين الذين لم يخذلوهم يوماً، فالخسارة الكبرى هي فقدان الحاضنة العربية المخلصة، وان المخرج الوحيد لكرامة هذه الأمة يتمثل في تعاهد العرب جميعاً على التكاتف واليقظة لمواجهة خطرين وجوديين، أولهما الخطر الصهيوني الذي يغتصب الأرض ويهجر الإنسان، والثاني الخطر الإيراني الذي يطمع في التوسع وضرب استقرار المجتمعات من الداخل، فإن قوة القضية الفلسطينية تكمن في عروبتها وبقائها بعيدة عن التجاذبات الإقليمية التي تفتت الصف العربي، فوحدتنا هي السد المنيع الذي يحمي القدس، ويحمي عواصمنا الخليجية من كل طامع أو معتدٍ، لتبقى بوصلتنا نحو الحق دون تفريط بالأمن أو الكرامة.

Ad