في سباق مع الوقت، تكثّفت خلال الساعات الأخيرة قنوات الاتصال الخلفية بين عواصم إقليمية وواشنطن وعدد من الدول الأوروبية، في محاولة لبلورة مخرج دبلوماسي يسبق لحظة الانفجار. وكشف مصدر رفيع في وزارة الخارجية الإيرانية لـ«الجريدة» أن هذه الاتصالات تدور حول نسخة معدّلة من مبادرة باكستانية لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، قبل انقضاء المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب فجر الأربعاء، وهي مهلة تُقرأ في العديد من العواصم الإقليمية كإنذار أخير: إما الاستجابة للمطالب الأميركية، أو مواجهة تصعيد واسع قد يطال البنية التحتية الحيوية، من الجسور إلى محطات الطاقة.
وفق المصدر، تقوم الصيغة المعدّلة على «تجميد مزدوج»: وقف مؤقت لإطلاق النار يقابله فتح جزئي لمضيق هرمز، بما يسمح بعودة محدودة للملاحة ويمنح الدبلوماسية نافذة زمنية. على أن تُستأنف بعدها مفاوضات مكثفة للتوصل إلى اتفاق شامل، بالتوازي مع تحرك في مجلس الأمن الدولي، تقوده الدول الوسيطة بدعم من روسيا والصين وفرنسا، لاستصدار قرار يكرّس وقفاً دائماً للأعمال العدائية.
لكن العقدة الجوهرية تبقى في ترتيب الخطوات وصياغة السردية القانونية. فطهران، بحسب المصدر، تشترط صدور قرار مجلس الأمن قبل الانخراط في المفاوضات، على أن يتضمن توصيفاً صريحاً للهجمات الأميركية–الإسرائيلية باعتبارها «اعتداءً غير مبرر ومخالفاً للقانون الدولي». مطلب يصفه الوسطاء بأنه «غير قابل للتسويق» في واشنطن، التي تفضّل أن يأتي قرار المجلس تتويجاً لنتائج التفاوض، لا شرطاً مسبقاً له.
الخلاف يمتد إلى ملف العقوبات ومضيق هرمز، قلب المعادلة الاستراتيجية. إيران تربط أي فتح للمضيق برفع كامل للعقوبات، فيما تتمسك الولايات المتحدة بمقاربة معاكسة: رفع العقوبات لن يبدأ إلا بعد التوصل إلى اتفاق نهائي. مع ذلك، يشير المصدر إلى «مرونة» أبدتها طهران، تمثلت في استعدادها لبدء محادثات مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، شرط الإبقاء على فتح جزئي للمضيق طوال فترة التفاوض، إلى حين صدور قرار مجلس الأمن.
وفي موازاة ذلك، طُرحت فكرة أكثر طموحاً، وأكثر حساسية سياسياً، تقضي بتوقيع معاهدة سلام وعدم اعتداء بين طهران وواشنطن تضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار. وتبدي إيران، وفق المصدر، استعداداً للنظر في اتفاق من هذا النوع مع الولايات المتحدة حصراً، لا مع إسرائيل، ما يستدعي، برأيها، قراراً من مجلس الأمن يُلزم تل أبيب بوقف عملياتها ضد إيران وحلفائها في المنطقة عبر آلية تنفيذية واضحة.
«الجريدة» كانت قد كشفت أمس ملامح الموقف الإيراني من المبادرة الباكستانية في صيغتها الأصلية التي لم توافق عليها إيران التي رفضت وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، وطالبت بوقف غير محدد زمنياً يشمل كل الجبهات، في إشارة ضمنية إلى امتدادات الصراع في لبنان. كما تمسكت طهران بفتح «جزئي انتقائي» لمضيق هرمز، مع استبعاد مرور الولايات المتحدة و«الدول المعادية» قبل إنجاز اتفاق نهائي. كما أصرت إيران على تعويضات عن الأضرار الناجمة عن الضربات الأميركية–الإسرائيلية ورفع كامل للعقوبات مقابل فتح المضيق، أو كخيار بديل الإقرار «بحقها» في فرض رسوم عبور لتعويض خسائرها.
وكان تقارير متقاطعة اشارت إلى أن إسلام آباد سلّمت، مساء الأحد، وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خطة من مرحلتين: تبدأ بوقف فوري لإطلاق النار مقابل فتح المضيق أمام الملاحة الدولية، على أن يُستكمل التفاوض خلال 20 يوماً قابلة للتمديد إلى 45 يوماً. وترجّح هذه التقارير أن يتضمن الاتفاق الشامل تعهداً إيرانياً بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، مقابل رفع العقوبات والإفراج عن أصول مجمّدة.