تؤكد الأحداث السياسية عبر الزمن أن الأزمات الجيوسياسية دائماً تثبت أن «الأمن» لا يتجزأ، وأن الرفاه الاقتصادي الذي تنعم به الدول يتطلب درعاً واقية من التكامل يتجاوز التنسيق التقليدي.

كما أن الدروس المستخلصة من أي توترات إقليمية كبرى، مثل الغزو العراقي الغاشم في 1990، والأحداث السياسية الحالية في المنطقة والتي تتمثل في الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران من جهة، والحرب الإيرانية مع دول مجلس التعاون الخليجي من جهة أخرى، تضعنا أمام استحقاقات مصيرية لا تحتمل أية أخطاء أو هفوات، وذلك حتى يتسنى بناء منظومة خليجية أكثر مرونة واستدامة.

ويمكن تلخيص أهم الدروس المستفادة خلال الأسابيع الماضية كالآتي:

Ad

- من الناحية الأمنية هناك ضرورة قصوى للانتقال من «الأمن المستورد» إلى «الأمن الذاتي المشترك»، والدرس الأساسي هو أن التفوق التكنولوجي (الدفاع الجوي، الذكاء الاصطناعي العسكري) هو حجر الزاوية في ردع التهديدات غير النمطية.

- أما اقتصادياً فيلاحظ أهمية سلاسل الإمداد ومدى حساسيتها، خصوصاً من خلال الاعتماد على الممرات المائية الضيقة (مضيق هرمز)، والدرس الأساسي هو أن «تنوع الممرات» لا يقل أهمية عن «تنوع مصادر الدخل».

- من المنظور الاجتماعي برزت أهمية «الأمن السيبراني المجتمعي» لمواجهة الشائعات وحروب المعلومات الاستخباراتية التي تستهدف الجبهة الداخلية وتماسك النسيج الوطني.

- وبشكل عام يتحتم على دول المجلس بشكل عام النظر إلى توطين «العقل» لا «المنتج»، من خلال التركيز على مراكز الأبحاث والتطوير (D&R) داخل الجامعات الخليجية لتصميم برمجيات وأنظمة تشفير محلية لا يمكن اختراقها أو تعطيلها من قبل الموردين الخارجيين.

وعليه ولتأمين استقرار وأمان مستدام، لضمان الأمان الاقتصادي، يجب ألا تظل التجارة الخليجية رهينة لمضيق واحد، ولذلك يتعين على دول مجلس التعاون الخليجي العمل على إعداد استراتيجية موحدة للتعاون لضمان التعامل مع المستقبل، مبنية على ثلاثة مسارات متوازية، ويمكن تلخيصها كما يلي:

1 - تغيير جذري في سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية:

o التعجيل في إنجاز مشروع «قطار الخليج» ليكون شريان نقل بري بديلاً وآمناً.

o تطوير الموانئ مع مستودعات تخزين للمواد السائلة وخصوصا الموانئ المطلة على بحر العرب والبحر الأحمر لتكون منصات انطلاق عالمية بعيدة عن نقاط التوتر الجغرافي.

o العمل على توسعة الجسر البري الخليجي، بتفعيل المسارات البرية التي تربط موانئ بحر العرب والبحر الأحمر بالمدن الصناعية في الداخل الخليجي، لضمان استمرار التصدير والاستيراد بعيداً عن منطقة النزاع المباشر.

o إنشاء «مخزون استراتيجي خليجي موحد» للغذاء والدواء، يدار بشبكة لوجستية رقمية مشتركة.

2 - التكامل العسكري والتقني:

o بناء منظومة دفاعية جوية وصاروخية مرتبطة رقمياً بالكامل بين دول المجلس وتفعيل نشاط قوات درع الجزيرة.

o توطين الصناعات العسكرية المتقدمة، خاصة الطائرات المسيرة وأنظمة التشويش الإلكتروني، لتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية وقت الأزمات.

3 - الأمان الاجتماعي والاستدامة البشرية:

o تعزيز مفهوم المواطنة الخليجية من خلال توحيد التشريعات وتبني مشاريع مشتركة لتعزيز الأمن الاجتماعي والاقتصادي لمواجهة الضغوط الخارجية.

o الاستثمار في اقتصاد المعرفة لضمان استمرار التنمية الاجتماعية حتى في ظروف انخفاض إيرادات الطاقة التقليدية نتيجة النزاعات.

إن تحويل هذه التحديات الأمنية إلى فرص للتكامل الهيكلي والاقتصادي والاجتماعي هو ما سيجعل من دول الخليج العربي قوة اقتصادية وسياسية قاهرة وقادرة على حماية مكتسبات شعوبها وضمان تدفق طموحاتها نحو المستقبل.

وعطفاً على ما سبق نقترح مجموعة من التوصيات الاستراتيجية لتعزيز منظومة خليجية مقاومة للأزمات وتعزيز التكامل في أربعة محاور رئيسية لضمان استدامة التنمية والأمن القومي الخليجي، ويمكن تلخيصها كما يلي:

أولاً: التوصيات الأمنية والعسكرية (الردع والسيادة)

o نقترح تأسيس «مركز الخليج للأمن السيبراني الموحد»: للربط بين البنى التحتية الحساسة (كهرباء، مياه، مصارف) والدفاع عنها ضد الهجمات الرقمية التي تسبق أو ترافق النزاعات العسكرية.

o من الأهمية بمكان، تطوير «عقيدة دفاعية مشتركة» لطائرات الدرونز، من خلال الاستثمار الجماعي في أنظمة الاعتراض (Counter-Drone Systems) وتطوير أسراب مسيرة محلية الصنع للاستطلاع والحماية عن طريق تحالفات عربية وأجنبية.

o العمل بشكل جماعي من خلال المشاركة في المناورات اللوجستية وتنظيم تدريبات عسكرية تركز ليس فقط على القتال، بل على «تأمين خطوط الإمداد المدنية» وإدارة الموانئ البديلة وقت الطوارئ.

ثانياً: التوصيات الاقتصادية واللوجستية (المرونة والتدفق)

إن الغاية الأساسية هو الانتقال من التخزين المحلي المنفصل إلى «الشبكة الخليجية المترابطة»، لضمان تدفق السلع حتى في حال إغلاق بعض الممرات المائية، وعليه نقترح الآتي:

▪ اعتماد اقتراح «قانون الامتياز اللوجستي الخليجي»، حيث يسمح بمرور الشاحنات والبضائع الاستراتيجية بين الدول الست في وقت الأزمات من دون قيود جمركية أو إجرائية، لضمان سرعة الاستجابة.

▪ منصة الإنذار المبكر الذكية: إنشاء قاعدة بيانات مشتركة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لرصد مستويات المخزون (حبوب، أدوية، قطع غيار) في الدول الست لحظة بلحظة، والتنبؤ بأي نقص قبل وقوعه.

▪ تفعيل «صندوق الاستثمار الصناعي المشترك»، ويكون مخصصا لتمويل المصانع التي تنتج المواد الخام الأساسية (البتروكيماويات التحويلية، المعادن، قطع الغيار) لضمان عدم توقف الصناعة عند انقطاع الاستيراد.

▪ تحديث وتطوير وتفعيل خارطة طريق «قطار الخليج»، من خلال تسريع الربط لمشروع السكة الحديدية البري مع الموانئ المطلة على المحيط الهندي (عبر عُمان) والبحر الأحمر (عبر السعودية) لتكون الرئة البديلة للنفط والتجارة.

▪ اعتماد منظومة المناطق اللوجستية العابرة للحدود، وذلك عبر إنشاء مستودعات ضخمة في نقاط جغرافية استراتيجية (مثل الدقم في عُمان أو جدة في السعودية) لتكون بمنزلة «خزانات طوارئ» يتم توزيع محتوياتها برياً عند الحاجة.

ثالثاً: التوصيات الاجتماعية والغذائية (الاستقرار والتماسك)

- ضرورة التأكيد على ميثاق «الأمن الغذائي الخليجي الموحد» لدول مجلس التعاون الخليجي، من خلال الالتزام بعدم حظر تصدير السلع الغذائية أو الدوائية بين دول المجلس تحت أي ظرف من ظروف الحرب، ومعاملة المخزون الخليجي كوحدة واحدة.

- تطوير مشروع عقود التوريد الجماعية وذلك للاستفادة من تطوير القدرة التفاوضية ككتلة اقتصادية واحدة مع الموردين العالميين، مما يمنح دول الخليج قوة تفاوضية لتأمين إمدادات طويلة الأمد بأسعار مستقرة، وضمان الأولوية في الشحن وقت الأزمات.

- إنشاء وتطوير «المنصة الإعلامية الخليجية الموحدة للأزمات»، لمواجهة الحرب النفسية وتوحيد الأخبار الرسمية، مما يمنع ترويع الشعوب وتقليل خطر الإشاعات المغرضة أو إحداث خلل في الجبهات الداخلية.

- يجب تقوية «الاحتياطي البشري المهني» من خلال برامج موثقة، لتدريب المتطوعين والكوادر المدنية على إدارة الخدمات الأساسية في حالات الطوارئ القصوى.

رابعاً: التوصيات السياسية والدبلوماسية (القوة الجماعية)

● في ضوء الأحداث السياسية الأخيرة فإن الدبلوماسية الاقتصادية الاستباقية ذات أهمية قصوى، وإن بناء شراكات استراتيجية مع القوى العالمية الناشئة والمؤثرة في سلاسل الإمداد (مثل الدول العربية والهند والبرازيل) لضمان تدفق السلع الحيوية عبر مسارات بديلة يعتبر من الأولويات الاساسية.

● هناك حاجة ماسة ومهمة جدا وهي اقتراح إنشاء «غرفة إدارة الأزمات الخليجية» على أن تكون تابعة للأمانة العامة لدول مجلس التعاون، وتتمتع بصلاحيات تنفيذية وسريعة لاتخاذ قرارات عاجلة في النقل والطاقة والتموين.

وعطفاً على ما سبق فإن الجدوى الاقتصادية والاجتماعية للتوصيات أعلاه يمكن إيجازها بشكل عام في الخطوات التالية:

1. خلق وظائف للشباب من خلال تحويل الإنفاق العسكري الضخم إلى محرك للوظائف الهندسية والتقنية للشباب الخليجي.

2. تقليل الهدر، حيث إن التنسيق بين دول المجلس يمنع تكرار المشاريع الضخمة ويوفر مليارات الدولارات من الميزانيات العامة.

3. تعزيز الاستقرار النفسي بوجود مخزون موحد ومعلن عنه يعزز الثقة لدى المستهلكين ويمنع حالات الهلع الشرائي وقت الأزمات.

وختاماً، إن الانتقال من «التنسيق» إلى «التكامل السياسي والاجتماعي والاقتصادي» هو الضمان الوحيد لمواجهة التهديدات الإقليمية، كما أن تطبيق هذه التوصيات سيحول دول الخليج من دول تتأثر بالصراعات إلى «كتلة جيوسياسية» تدير الأزمات بقدرة عالية من الثبات والسيادة.