منذ بدء تلك الحرب المشؤومة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من ناحية وإيران من ناحية أخرى، ظل البعض فترةً من الوقت يظنون أن ما تتعرض له دول الخليج قاطبة، والكويت خاصة، من اعتداءات إيرانية آثمة إنما هو مجرد ضريبة غير مقصودة لذلك الجوار السيئ الذي تدفع الكويت ثمنه، كما يدفعه جار "نافخ الكير" الذي لا ذنب له، وأن هذا الذي يصيبه رغم خطره وشرره وفداحته فإنه غير متعمد لم ينجم عن سبق إصرار وكره وترصد.
هكذا ظل البعض يتوهم ـ وربما يردد على الملأ ـ أن ما يصل الكويت ودول مجلس التعاون من اعتداءات غادرة إنما هو في سياق رد طهران على الولايات المتحدة عبر ضرب قواعدها في المنطقة... لكن الكويت ظلت تؤكد مراراً وتكراراً أن الفهم مغلوط وأن الواقع يكذب تلك الادعاءات، وأن الهجوم الذي يستهدفها لا يتعلق بقواعد أميركية ولا بشيء له علاقة بالمصالح الأميركية داخل الكويت، مستشهدة بما نالها من ضربات متتالية لمطار الكويت الدولي، ومبنى التأمينات، وما حدث منذ أسبوع في إحدى محطات تحلية المياه... ومع ذلك ظلت "علكة" استهداف المصالح الأميركية تتحرك في الأفواه وعلى الألسنة بين الحين والآخر.
فماذا عساها تكون الذريعة الآن بعدما حدث من هجوم آثم استهدف مجمع الوزارات، ومحطتين للكهرباء، إلى جانب عدة منشآت نفطية أسفرت عن أضرار مادية جسيمة، وأربكت سير العمل المدني في البلاد؟! هل يمكن لمدعٍ أن "يعلك" نفس الحجة وذات المبرر، فأين هي المصالح الأميركية في مجمع الوزارات أو وحدات الكهرباء أو المنشآت النفطية؟ وقبلها أين تلك المصالح في المطار المدني ومبنى التأمينات؟!
إن إيران وسط هذه الحرب المستعرة التي تأكل الأخضر واليابس في شتى محافظاتها، لا تنسى - بل تصر في سلوك عصي على الفهم - أن تبعثر بعضاً من شرورها وصواريخها ومسيراتها على جيرانها الذين ظلوا عقوداً من الزمن يطالبونها بحسن الجيرة وعدم التدخل في شؤونهم ويحرصون على حسن التعامل معها، ألم يكن أجدى لها ولهم أن توجه هذه الأسلحة وتلك الاعتداءات إلى من اعتدى عليها ومن يحاربها، لا إلى من يحرص على حسن جوارها وينأى بنفسه عن إلحاق الأذى بها؟!
كيف لعاقل أن يفسر هذه المعضلة المنطقية لدى العقلية التي تتحكم في مصير الإيرانيين الآن... هل من تفسير معقول لذلك الذي يحدث إلا أن يكون مبعث ذلك كله رغبة جامحة يغذيها غدر أعمى وكره بغيض ونفوس آثمة تسول لهم إيذاء الآمنين وترويع المسالمين؟!
الجريدة