مصطلح «السلام من خلال القوة»، الذي يُريد فرضه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على واقع مسارات المفاوضات الجارية التي ترعاها إسلام آباد، هو أسلوب يُراد منه زيادة الضغط النفسي على المفاوض الإيراني.
إيران تُدرك تأثير ذلك، وعليه عمدت إلى تغيير تلك المعادلة، من خلال رفع مسار وكُلفة الحرب على أميركا. وبطبيعة الحال، فإن المقصود برفع الكُلفة لا يقتصر على أميركا وحدها، بل على إسرائيل والمنطقة والعالم بأسره.
رغم التفوق العسكري الأميركي الحاضر، وبقوة، فإن فرضية «السلام مقابل القوة» ليست الوحيدة الحاضرة في هذه الحرب، حيث عملت إيران إلى فرض قاعدةٍ موازية لها، هي: «هدف مقابل هدف»، و«إغلاق مضيق هرمز»، كإجراءات تتزامن مع كل تحرُّكٍ دبلوماسي للوصول إلى اتفاق يكون فيه هامش الأفضلية العسكرية نسبياً، وليس مطلقاً لمصلحة أميركا.
مضت الأسابيع الخمسة التي أعلن عنها الرئيس ترامب، ومازالت الحرب فاتحة شراعيها، وتقول: هل من مزيد؟ بنك الأهداف يتصاعد ويتمدَّد من مكانٍ إلى آخر، وكل طرفٍ لا يريد الرضوخ لأمر الواقع، فيما ترتفع كُلفة الحرب، والعالم يحبس أنفاسه.
حالة التهديد والوعيد العسكري وسياسة كسر العظم والإملاءات التي تنتهجها أطرف النزاع، من خلال فرض معادلات عسكرية وسياسية واقتصادية، أدَّت إلى عدم الثقة بالتوصل إلى حلولٍ دبلوماسية مُرضية.
التخوين والتشكيك في النيات هما العنوانان الحاضران في المفاوضات التي تقودها إسلام آباد، لتفرض واقع صعوبة التوصل إلى اتفاق يُجنِّب المنطقة المزيد من التصعيد، لكنه يظل أحد بوابات السلام.
ليس من عادتي التشاؤم، لكن تصريحات الرئيس ترامب بتدمير المنشآت النووية والنفطية ومحطات الطاقة والحيوية، وفتح مضيق هرمز بالقوة، أدخلت المنطقة في حالةٍ من الإرباك والترقب لما قد تؤول إليه الأوضاع، فضلاً عن استمرار إيران باستهداف دول المنطقة، بما قد يُفضي إلى اتساع رقعة الحرب.
يوم الأربعاء الماضي كان العالم على موعدٍ مع ما سيُسفر عنه خطاب الرئيس الأميركي، إلا أنه لم يأتِ بجديد، بل زاد الطين بلة، وأظهر أن الأسابيع المقبلة قد تكون فعلاً نزهةً مقارنةً مع ما مضى.
رغم تدني شعبيته في الداخل الأميركي وحالة الامتعاض العالمي، فإن حالة اللااعتبار واللامبالاة التي يُظهرها ترامب، من خلال قضاء وقت فراغه بلعبة الغولف وتصريحاته المليئة بالسخرية، تدعو إلى العجب.
باختصار، هذه الحرب تجاوزت كل حدود المنطق، والمنطق غاب بين خُبث نتنياهو، وعِناد الحرس الثوري، وتصرُّفات ترامب.
هناك تباينٌ كبيرٌ بين مطالب كل طرف، لكن الطرف الأوضح بين ما يريده الرئيس ترامب والحرس الثوري هو ما يريده نتنياهو، دمار شامل لإيران، وإضعاف المنطقة، وفصل مسار وقف الحرب عن الجنوب اللبناني، بهدف تمكين الكيان من فرض جغرافية جديدة، كما فعل في قطاع غزة والضفة.
ودمتم سالمين