دخلت الحرب الأميركية - الإسرائيلية المشتركة ضد إيران مرحلة جديدة تركّز على تدمير البنية التحتية بموازاة استمرار عمليات اغتيال القيادات السياسية والعسكرية وتدمير المنشآت الصناعية بعد ساعات من توعّد الرئيس دونالد ترامب بشن المزيد من الضربات القوية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة من أجل «إعادتهم إلى العصر الحجري حيث ينتمون» إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق لتسوية النزاع.

وقال ترامب، في كلمة وجهها للأمة بشأن عملية «الغضب الملحمي» أمس: «أستطيع أن أقول إننا في طريقنا لإكمال جميع الأهداف العسكرية الأميركية قريباً، قريباً جداً، لكن الحرب قد تتصاعد إذا لم يرضخ القادة الإيرانيون لشروط ​إبرام اتفاق خلال المفاوضات الدائرة حالياً». 

وأضاف: «إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة، فسنستهدف جميع محطات الكهرباء والطاقة» وربما بشكل متزامن، مؤكداً أن الساعات المقبلة تمثل «بداية النهاية لشرور العدوان الإيراني وشبح الابتزاز النووي الذي هدد العالم».

Ad

ولفت إلى أن الولايات المتحدة لن تستهدف منشآت النفط الإيرانية «لمنح الشعب فرصة» في إشارة إلى تخليه عن مهلة، تنتهي الاثنين المقبل، منحها لطهران لكي تعيد فتح مضيق هرمز بدون أي تهديدات وتتوصل إلى تفاهم دبلوماسي أو مواجهة حملة قصف مركزة لتدمير جميع محطات الطاقة وآبار النفط وربما محطات تقطير المياه. 

هزيمة كاملة

واعتبر ترامب أن إيران «لم تعد تملك أي أوراق» في المرحلة الحالية، مشدداً على «إلحاق هزيمة كاملة بطهران وهي الآن مدمرة عسكرياً واقتصادياً ومن كل النواحي»، مؤكداً أن العملية العسكرية كانت ضرورية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي.

وذكر أن المنشآت النووية الإيرانية تعرضت لغارات جوية قوية جداً في يونيو الماضي، لدرجة أن قدرتها على تخصيب اليورانيوم ستستغرق شهوراً.

وفي ظل تقارير عن استعداد واشنطن لشن عملية برية للاستيلاء على اليورانيوم عالي التخصيب من المواقع المدمرة، أوضح ترامب أن الوضع يخضع للمراقبة الدقيقة، بمساعدة الأقمار الصناعية، وفي حال تم رصد أي حركة من جانب الإيرانيين، فإنهم سوف يتعرضون لضربة صاروخية «قوية جداً».

 

وذكر أن الجيش الأميركي دمّر قدرات عسكرية رئيسية لطهران، مضيفاً أن «البحرية لم تعد موجودة، وسلاح الجو دُمّر، ومعظم القيادات قُتلت، كما تم تفكيك منظومة القيادة والسيطرة التابعة للحرس الثوري».

ولفت إلى أن هدف واشنطن لم يكن يوماً تغيير النظام في إيران، لكنه اعتبر أن استهداف شخصيات في القيادة أدى بشكل غير مباشر إلى «تغيير في النظام».

ضبابية «هرمز» 

ووسط ضبابية بشأن التزامه بإعادة فتح المضيق الاستراتيجي الذي يغلقه «الحرس الثوري» بشكل جزئي، لفت ترامب إلى أن واشنطن لا تحتاج إلى النفط الذي يمر عبر الممر المائي، قائلاً: «لا نحتاج إليه. الدول التي تحصل على النفط عبر هرمز يجب أن تتولى حمايته. عليها أن تسيطر عليه وتقدّر قيمته، ويمكنها فعل ذلك بسهولة».

وادعى أن الولايات المتحدة تمتلك احتياطيات نفطية تفوق مجموع ما لدى روسيا والسعودية، ولم تعد بحاجة إلى نفط الشرق الأوسط في الوقت الحالي أو مستقبلاً. كما اعتبر أن دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» يمكنها بسهولة السيطرة على المضيق.

شكر الحلفاء

من جانب آخر، قال ترامب: «أود أن أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط: إسرائيل، والسعودية، وقطر، والإمارات، والكويت، والبحرين. لقد كانوا رائعين، ولن نسمح بتعرضهم بأي شكل لأي ضرر أو فشل».

ولفت إلى أن «الجيش الأميركي استهدف إيران الدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم»، ومشدداً على استمرار بلده في تقديم الدعم الدفاعي لحلفائها الإقليميين.

مواجهة وموت

في المقابل، رد المسؤولون الإيرانيون بخطاب يتمسك بمقاومة ضغوط ترامب، حيث هدد المتحدث باسم مقر «خاتم الأنبياء»، ​إبراهيم ذو الفقاري​، بشن ضربات أشد وأوسع وأكثر تدميراً، وقال مخاطباً الأميركيين والإسرائيليين: «معلوماتكم عن قدراتنا العسكرية وتجهيزاتنا ناقصة»، مضيفاً «لا تأملوا أنكم دمّرتم مراكز إنتاج صواريخنا الاستراتيجية، والطائرات المسيّرة الهجومية، فمثل هذا التصور سيُغرقكم أكثر في المستنقع الذي أوقعتم أنفسكم فيه».

وتابع: «عليكم أن تدفعوا ثمن العدوان، ستستمر الحرب حتى ذلّكم وهوانكم وندمكم الدائم، وحتى استسلامكم الحتمي». 

وفي حين شدد قائد الجيش اللواء ​أمير حاتمي​، على أنه «في حال أقدم الأعداء على تنفيذ عملية برية، يجب ألا ينجو منهم أحد»، قال رئيس البرلمان محمد قاليباف «نحن مسلحون ومستعدون وثابتون فليتقدم الأعداء، لأننا بانتظارهم».

دبلوماسياً، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي: «طالما أن الحرب مستمرة، سوف تواصل إيران المقاومة»، مضيفاً أن إيران لن تقبل «دائرة مفرغة من الحرب والمفاوضات ووقف إطلاق النار ثم تكرار نفس النمط». ووصف بقائي الصراع الجاري بأنه «كارثي ليس لإيران فحسب ولكن للمنطقة بأكملها وما أبعد منها».

رسالة وردّ

وفي تصريحات منفصلة، أوضح بقائي أن بلده مستعدة لكل السيناريوهات، وتدرس الرد على المطالب الأميركية.

وقال بقائي: لا تتوقعوا أن أدخل في التفاصيل، نحن لا نتفاوض علناً، وكما ذكرت، لا توجد حالياً أي مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، لكن ما هو واضح أن الرسائل التي تلقيناها عبر الوسطاء تعكس مطالب قصوى وغير منطقية، ولهذا يتعامل الإيرانيون معها بحذر شديد. وأشار إلى دراسة بلده للرسائل وعندما نقرر الرد سننقله عبر الوسطاء.

جباية وصِدام

وفي تطور يضع طهران بمواجهة مع أغلب دول العالم والمنطقة، زعم نائب وزير الخارجية، كاظم غريب آبادي، بأن بلده تقوم حالياً بإعداد نظام للملاحة ويفرض رسوم خدمات بالتعاون مع سلطنة عمان، مشيراً إلى أن النظام الجديد سيتم تطبيقه بعد انتهاء الحرب وأنه وصل إلى مراحله النهائية للتنفيذ. وأشار إلى أنه «من المحتمل أن تواجه منطقتنا، بعد انتهاء هذه الحرب، عملاً عدوانياً عسكرياً آخر، فالمعتدون موجودون دائماً، وللأسف، تعد الحرب أداة وسياسة لبعض هذه الدول والأنظمة». 

وقال رئيس مجلس الإعلام الحكومي الإيراني، إلياس حضرتي، إن الرئيس الأميركي «يتخبط في تصريحاته ويهذي بشأن هرمز. إنه حائر ولا يدري ماذا يفعل، فهو لا يملك القوة الكافية، فتارة يقول سأحل الأمر الليلة، وتارة أخرى يقول على الدول التي تستخدم المضيق أن تحل الأمر بنفسها وأنا لست معنياً».

 

وأضاف حضرتي: «إيران تسيطر على المضيق عبر فرض قوتها، ويجب إعلان معاهدة هرمز، وهي معاهدة تكون فيها طهران هي المشغل، وتبرم الدول الأوروبية والآسيوية والعربية عقوداً مع طهران بصفتها متعاقدة للسماح لها باستخدام الممر». 

ضربات واغتيال

على الصعيد الميداني، تصاعدت الضربات التي تستهدف البنية التحتية في إيران، حيث دمرت غارة جوية جسراً استراتيجياً يربط بين طهران ومدينة كرج التي أفيد بتعرضها لانقطاع واسع للتيار الكهربائي عقب الهجمات. 

كما هاجمت طائرات إسرائيلية وأميركية خزانات وقود في كنارك بالعاصمة الإيرانية وعدة مطارات بمدن رئيسية في مقدمتها مطاري مشهد وتبريز.

وأعلنت شركة «فولاد خوزستان» لإنتاج الصلب توقف إنتاجها لفترة تتراوح بين ستة أشهر وعام، عقب تعرض منشآتها لأضرار كبيرة نتيجة الهجمات.

وفي ضربة كبيرة تعرّض لمسار الجهود الدبلوماسية تحدثت تقارير عن تعرض كمال خرازي، مستشار الحكومة الإيرانية بالمباحثات التي تتوسط بها باكستان بين طهران وواشنطن لإصابة بالغة جراء غارة يعتقد أنها إسرائيلية استهدفت منزله أمس الأول.

كما قتل اللواء محمد علي زاده قائد وحدة فاتحين بالقوة البرية الخاصة لـ«الحرس الثوري» بضربة إسرائيلية.

واعتبر قائد القيادة الأميركية «سنتكوم»، براد كوبر، أن الأسبوع الخامس من الحملة شهد تحقيق تقدم «لا يمكن إنكاره»، لافتاً إلى أنه لم يتم رصد أي مؤشرات على تحركات للقوات البحرية أو تحليق للمقاتلات الإيرانية، مؤكداً أن منظومات الدفاع الجوي والصاروخي تم تدميرها بشكل كبير.

وبينما أعلن الجيش الإسرائيلي تدمير قاعدة برية للجيش الإيراني في أشارت تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية إلى تدمير أكثر من 200 منصة إطلاق صواريخ متنقلة منذ بداية الحرب.

من جهة أخرى، أعلنت السلطة القضائية تنفيذ حكم الإعدام بحق أمير حسين حاتمي، أحد المتظاهرين المعتقلين خلال الاحتجاجات الأخيرة.

مفاوضات ووساطات

وعلى صعيد الجهود الدبلوماسية لاحتواء الأزمة، ذكر متحدث باسم الخارجية الباكستانية أن إسلام آباد تتواصل بشكل فاعل مع القيادة الأميركية والسلطات الإيرانية لإيجاد تسوية للحرب، مضيفاً أنه لا يوجد حتى الآن تأكيد على وصول أي وفد أميركي لإجراء محادثات.

ونقل موقع «أكسيوس» عن ثلاثة مسؤولين أميركيين قولهم إن التوصل إلى اتفاق من خلال المحادثات الدائرة بين طهران وواشنطن والتي تركز على إبرام اتفاق لوقف النار مقابل إعادة فتح هرمز لا يزال «غير مؤكد».

وفي موسكو، أكد الكرملين استعداده للتوسط من أجل إيجاد تسوية للنزاع، فيما أعلنت شركة «​روس آتوم​» الروسية، أن «موسكو ستطلب من أميركا وإسرائيل ضمان وقف إطلاق النار أثناء قيامنا بإجلاء موظفينا من الموقع النووي في ​بوشهر». 

وفي الأرجنتين، أفادت تقارير بطرد بوينس آيرس للقائم بالأعمال الإيراني من أراضيها.

روحاني: نحتاج لإصلاحات جذرية

دعا الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني المجلس الأعلى للأمن القومي في بلاده إلى ضرورة مناقشة مختلف السيناريوهات المتعلقة باستمرار الحرب أو إنهائها ضمن إطار قانوني. 

ورهن روحاني، المحسوب على الوسطيين، بقاء النظام بإجراء إصلاحات، مؤكداً أن «حماية البلاد والنظام تتطلب تنفيذ إصلاحات سياسية عاجلة وجذرية». وأضاف: «رأسمالنا الوحيد هو دعم الشعب، ولدى الشعب مطالب واستياءات جدية».

وكانت تقارير أشارت إلى أن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف وضعا فيما يشبه بالإقامة الجبرية عقب الاحتجاجات التي شهدتها البلاد عشية الحرب، وكان لافتاً عودة روحاني إلى إبداء رأيه بالتزامن مع تغريدات لظريف في الأيام القليلة الماضية، ما يظهر أن النظام يخرج «الاحتياط المعتدل»، مع عودة الحديث عن المفاوضات.